[issue-single-data]

أحمد قشاش كنز الـ7مئة نبتة

أحمد قشاش كنز الـ7مئة نبتة

عصام الحاج

مثلما واجه وعورة الصخور، واجه وعورة التاريخ. مثلما راقب إزهار النباتات، تتبّع تبدُّل الأسماء والدلالات عند الدينوري والأصمعي وسائر علماء اللغة. مثلما قضى الأيام بحثًا عن فرص المواسم، سهر الليالي فيما حفرته اللغة والمعاجم والموسوعات العلمية.
إنها رحلة 30 عامًا، بين الطبيعة والمكتبات، وبين السعي إلى فهم مزاج الأرض، ومعرفة ما دوّنه الأسلاف، وما يطرحه العلم.
هذا هو ملخّص قصة الدكتور أحمد قشاش، الشخصية البيئية السعودية المتربعة على كنز قوامه 700 نبتة في السراة والحجاز. لقد تتبّع كل نبتة في بيئتها الطبيعية، وسجّل أسماءها العلمية والمحلية، وخرّج مصطلحاتها حتى عند أسلافنا العرب من اللغويين والطبيعيين.
وانتهى من ذلك كله إلى إنتاج موسوعة علمية لغوية حملت عنوان “النباتات في جبال السراة والحجاز”.


طفل عاشق للطبيعة
يبرز اسم الدكتور أحمد قشاش الغامدي باحثًا وعالمًا ووثائقيًا طبيعيًا. وتُمثّل موسوعته إرثًا وطنيًا وكنزًا تزداد قيمته مع مرور الزمن. وكلُّ هذا الإنجاز بدأ طبيعيًا وعفويًا في قرية صغيرة اسمها “حِزْنَة” في جبال السراة. هناك، انشغلت طفولته وشبابه الأول برعي الأغنام وحماية المزروعات. أتاحت له هذه البيئة الهادئة والجميلة معرفةً تراكمت يومًا بعد يوم بكثير من النباتات والحيوانات في المنطقة، فضلًا عن معرفة التضاريس وتفاصيلها الوعرة والسهلة.
حين التقته “الحياة الفطرية” وسألته عن سيرته الطويلة، أشار إلى أن الأمر “لم يكن مجرد اهتمام عارض، بل هو هوى دفين وولع مكين بالنبات وتسلق الجبال. وعندما استقرت حياتي في المدينة المنورة، وهي جزء من جبال الحجاز، زاد هذا الاهتمام وتعمق هذا الشغف المبكر، وقد نما مع الزمن، وصُقلت معارفي النباتية على مدى ما يقارب ثلاثة عقود من العمل الميداني والبحث المتواصل، وهو المشروع الذي بدأت التفكير فيه منذ عام 1417هـ”.


تداخل المعارف والعلوم
فيما يتعلق بتخصصه الأكاديمي في اللغة العربية وعلاقة هذا التخصص بالنباتات، قال الدكتور قشاش إن اهتمامه بالنباتات والبيئة عميق جدًا، فالجانب اللغوي ينطلق من لغة القرآن الكريم والحديث الشريف لأنهما غنيان بالمفردات والدلالات.
أمَّا الجانب العملي الكبير من اهتماماته، فقد كان يصب في موسوعة “النبات في جبال السراة والحجاز”. اعتمد في هذا العمل على جمع أسماء النباتات المذكورة في المصادر اللغوية القديمة، مثل كتب أبي زيد اللغوي، والأصمعي، وأبي حنيفة الدينوري، وغيرها من معاجم اللغة والنبات.
كانت مهارات البحث والتحليل اللغوي عند الدكتور قشاش حاسمة في تحقيق الروايات القديمة، وكذلك تصحيح ما أصابه التحريف والتصحيف، وبيان الألفاظ المترادفة، وإحياء المصطلحات النباتية المهجورة.

يضيف: “ساعدتني هذه المهارات على فهم التطور الدلالي والصوتي لألفاظ النباتات عبر العصور، ومطابقتها بمسمياتها الحالية، بل إنني قمت بتعريب أسماء بعض الفصائل النباتية، محاولًا إيجاد ألفة بين مصطلحات القدماء ومناهجهم والعمل المعجمي الحديث”.
هذا العمل الطويل المستمر، الذي أنجزه قشاش فيما يخص النباتات، وقارب ثلاثة عقود، صقل معارفه وفتح له آفاقًا علمية واسعة، أسهمت – بشكل كبير – في دفعه إلى كتابة أبحاث معمقة في التاريخ الجغرافي للقرآن وكذلك للتوراة. كما أسهمت في جعله يكتب في لهجات سكان السراة. يقول قشاش: “كتاباتي في حقول مختلفة تؤكد الترابط الوثيق بين اللغة والتاريخ والبيئة، وأن البحث الميداني يمكن أن يكون مصدرًا أصيلًا للمعارف والعلوم”.


تحديات الموسوعة
تحضير الموسوعة وتصنيفها واجه مجموعة من التحديات وصفها قشاش بـ”الكبيرة والمتعددة”. ويشرح: “هذا العمل الموسوعي بأجزائه الثلاثة تطلب إعداده جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا جدًا”.
يضيف: “هناك تحديات ميدانية، تطلبت مني رحلات بحثية متكررة إلى جبال شاهقة ووعرة، ليس للسيارة فيها مسلك. كما واجهت جهدًا بدنيًا كبيرًا، وكنت أضطر إلى الصعود راجلًا لأيام. فضلًا عمَّا واجهتُه من مخاطر في هذه البراري كمواجهة الأفاعي، والذئاب، وتساقط الصخور، وبالأخص أثناء الأمطار”.
كما يقول: “تحمَّلت نقص الماء والطعام في أماكن موحشة وبعيدة. وكان تقلُّب دورات المناخ وهطول الأمطار يؤثر بشكل أساسي في دورة حياة النبات، وهو مايستدعي الانتظار حولًا كاملًا لتصوير نبتة ما، خصوصًا أن مدة الإزهار لبعض النباتات قصيرة جدًا وتحكمها ظروف المناخ”.
هذا على الصعيد الميداني. أمَّا على الصعيد البحثي، فيصفه قشاش بالقول: إنه “تحديات لغوية وبحثية معقدة، ذلك أن التحقق من أسماء النباتات ومطابقتها لمسمياتها الحالية، وتصحيح الأوهام التي وقع فيها القدماء بسبب النقل السمعي لا المشاهدة، يعقد الوصول إلى الحقيقة. إضافة إلى أن توثيق المعارف المحلية من كبار السن وأصحاب الخبرة كان تحديًا كبيرًا أيضًا، فهذه المعارف مهددة بالاندثار”.
واجه قشاش كذلك تحديات تقنية، تمثّلت في التعامل مع آلاف الصور التي التقطها بنفسه على مدى سنوات من العمل في هذا المشروع. وكان اختيار الصور هو التحدي الأكبر، ذلك أن الموسوعة تتطلب أكثر من 6 آلاف صورة، في حين بين يديه عشرات الآلاف من الصور، وهو ما يجعل عملية الاختيار تحتاج إلى جهد كبير في المشاهدة والاختيار والمعالجة والإخراج والتنسيق. جميع هذه العمليات أنجزها بنفسه. كما واجه مشكلات كبيرة تتعلق بجودة الصور الفوتوغرافية الأولية، بالإضافة إلى فقدان بعض الصور النادرة من الحاسب الآلي.


الإنجازات
تحدث قشاش عن أبرز الإنجازات والاكتشافات التي جاءت نتيجة لهذا الجهد الكبير والمضني، وكان من بينها أنه أضاف بعض اكتشافاته في الطبعة الثانية للموسوعة. يقول: “في هذه الموسوعة وضعت تعريفًا لنحو 700 مادة نباتية من نباتات جبال السراة والحجاز، واكتشفت أنواعًا نباتية نادرة أو مهددة بالانقراض لم يذكرها القدماء صراحة”. ويؤكد قشاش أنه كشف عن أنواع نباتية لم تُصنّف من قبلُ في قائمة نباتات المملكة العربية السعودية، أو ليس لها تصنيف علمي حتى اليوم، وذلك من خلال الوصول إلى مواقع جديدة لم تُتح من قبل.

نباتات سعودية تستحق التعريف عالميًا
يُرشّح الدكتور قشاش ثلاثة نباتات يرى أنها تستحق أن تُعرف عالميًا، مع التركيز على ندرتها وأهميتها:
1‏– اللَّبَخ (Mimusops laurifolia): وهو من الأشجار الظليلة العظيمة المعمرة، ويُعدُّ من أندر الأشجار في جبال السراة ويوشك على الانقراض إن لم يكن هناك تدخل لإنقاذه.
هذه الشجرة بقيت حية من أزمنة غابرة، فهي أشجار بالغة في القِدم، وقد يصل عمر بعضها إلى ألفي عام أو يزيد. تنبت في الأودية الدافئة الرطبة، وتتحمل الأجواء الحارة جدًا، وتتميز بظلها الوارف وجذعها الذي ينمو بضخامة هائلة قد يتجاوز محيطه 9 أمتار.

2‏– الصَّوْمَل (Breonadia salicina): وهو من الأشجار الظليلة العظيمة المعمرة أيضًا، ومن نوادر النبات في أغوار جبال السراة الدافئة والرطبة. تتميز بقدرتها على تحمل الأجواء الحارة جدًا، وبضخامة واستقامة جذعها، وأوراقها الكثيفة دائمة الخضرة التي توفر ظلًا وارفًا. ندرتها وعمرها المديد يجعلان من رؤيتها في مواطنها الطبيعية من أجمل المشاهد البرية.

3‏– الرَّنْف (Delonix elata): شجرة جميلة، تتميز بظلها الوارف، حتى إن بعض الأهالي يسمونها “شجرة الجنة” لجمالها وحسن منظرها. تزدهي بأزهارها الكثيفة ذات المنظر البهيج والرائحة العطرية الفواحة. وهي نادرة، وقليلة الانتشار، تنبت في الأودية والسفوح الحارة، وقليلة الاحتياج للماء، وهو ما يجعل منها كنزًا طبيعيًا يستحق الرعاية والتقدير.

يقول: “أتِيح لي من خلال هذا العمل تصحيح أخطاء في أوصاف عدد من أنواع النبات عند المتقدمين، بناءً على المشاهدة المباشرة. كما وثّقت التطور الصوتي والدلالي لألفاظ النباتات، في اللهجات المختلفة وطريقة نطقها، وكشفت عن النطق الصحيح لبعض الحروف العربية القديمة”.
يشير قشاش إلى عدد من الأنواع النباتية التي ذُكرت بأسمائها العربية في اللغات العروبية (السامية) القديمة، مثل الأكادية والآرامية والعبرانية، موضحًا أنه أثبت أن العديد من الألفاظ التي ذكرتها المصادر اللغوية كأسماء لنباتات مختلفة ما هي في الواقع إلا أسماء مترادفة لنبتة واحدة، والعكس صحيح. ولهذا، عمل على إزالة الغموض عن نباتات اكتفى القدامى بوصفها بـ”معروف” أو “شجر”، وعمل كذلك على إحياء عدد من الألفاظ النباتية القديمة التي لم تعد تُعرف مسمياتها اليوم.

أنواع مهددة
ويضع الدكتور قشاش تعريفًا واضحًا للبيئة الجبلية في جنوب غرب المملكة، خاصة جبال السراة وجبال الحجاز، مؤكدًا أنها “من أكبر الأقاليم النباتية في جزيرة العرب وأكثرها تنوعًا ووعورة. وتتميز أيضًا باعتدال مناخها وغزارة أمطارها، وهو ما يجعلها بيئة مثالية لنمو أنواع نباتية فريدة”.
يضيف: “هذه المنطقة تحتضن تنوعًا أحيائيًا غنيًا، يضم أشجارًا كبيرة معمرة ضخمة، وشجيرات، وأعشابًا حولية أو معمرة تنمو في البرية من تلقاء نفسها دون تدخل الإنسان”.
أمَّا الأنواع المهددة بالاندثار أو الانقراض، فيقول عنها: “أشرتُ في الموسوعة إلى عدد كبير منها، وحددت أماكن وجودها بالاسم، منها على سبيل المثال: اللَّبَخ والخَزَم والكَتَم والثِّوَم. فهذه النباتات وغيرها من الأنواع النادرة قليلة الانتشار وتستحق الحماية العاجلة وتطبيق قوانين صارمة تمنع قطعها وإزالتها، وترشيد الرعي وعدم الإفراط فيه، مع ضرورة تنمية الوعي المحلي بأهمية الاهتمام بهذه الطبيعة الغنَّاء”.


مزرعة للتنوع الأحيائي
لا يُخفي قشاش اهتمامه بالجمهور من خلال استقباله الوفود في مزرعته النموذجية في محافظة المخواة، التي تحظى باهتمام كبير من قبل الجمهور، ليس لكونها مجرد مزرعة، بل واحة للتنوع الأحيائي.
يقول قشاش: “رؤيتي من وراء إنشاء المزرعة متعددة الأبعاد، أولها الحصول على منتجات غذائية صحية والابتعاد عن المنتجات التي تفتقر إلى المعايير الصحية، وبهذا حققت الاكتفاء الذاتي من الغذاء الصحي لي ولعائلتي. لكن سرعان ما تطورت الرؤية للمزرعة، لتلبي حماية وتنمية العديد من الأنواع النباتية المحلية، وبخاصة النباتات النادرة أو المهددة بالانقراض التي وثقتها في الموسوعة”. وقد قام كذلك بإدخال أنواع نباتية عالمية ذات مردود اقتصادي عالٍ، وبهذا أصبحت المزرعة بمنزلة محمية خاصة بالنباتات النادرة.

النباتات في جبال السراة والحجاز

أصدر الباحث الدكتور أحمد بن سعيد قشاش هذه الموسوعة الفريدة بعد عمل ميداني وبحث لغوي وبيئي استمر قرابة 25 عامًا. سعى خلال هذه المدة إلى توثيق النباتات في منطقة تُعدُّ من أغنى مناطق المملكة العربية السعودية بالتنوع النباتي واللغوي.
صدرت الموسوعة في طبعتين:

  • الطبعة الأولى: صدرت في مجلدين، واشتملت على 400 مادة نباتية، وضمّت 4000 صورة فوتوغرافية توثّق النبات في بيئته الطبيعية.
  • الطبعة الثانية (الموسّعة): صدرت في ثلاثة مجلدات، واشتملت على 700 مادة نباتية، مرفقة بأكثر من 6000 صورة، تُمثّل أهم النباتات والأشجار التي تنمو في بيئة جبال السراة والحجاز.

تتميّز الموسوعة بما يلي:

  • التوثيق العلمي الدقيق بالأسماء اللاتينية لكل نوع.
  • جمع التسميات المحلية والنطق اللهجي من أفواه الأهالي.
  • وصف بيئي دقيق، وذكر للفوائد الطبية والاقتصادية.
  • تضمين طرائف لغوية وأمثال وقصص شعبية ذات صلة بالنبات.
  • تحليل لغوي عميق يُبرز العلاقة بين أسماء النبات ولهجات القبائل العربية.
    وتُعدُّ هذه الموسوعة من أوسع الأعمال توثيقًا للنبات في جنوب غرب المملكة، غير أنها لا تكتفي بما هو مدوّن في قوائم نباتات المملكة الرسمية؛ إذ تشمل أيضًا 26 نوعًا نباتيًّا لم يُصنّف بعدُ ضمن قائمة نباتات المملكة. هذه الأنواع رُصدت ميدانيًا، وتوثّق – للمرة الأولى – من خلال هذا العمل، وهو ما يعكس الجهد الاستكشافي والسبق العلمي الذي تميّزت به الموسوعة.
Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد