[issue-single-data]

بين الماء والتراب: الأراضي التي تمنحنا الحياة

بين الماء والتراب: الأراضي التي تمنحنا الحياة

جعفر البحراني

  • جزر فرسان أول المواقع السعودية على قائمة “رامسار”
  • أكثر من ثُلث الأراضي الرطبة الطبيعية في العالم اختفت منذ السبعينيات

تبدو الأراضي الرطبة للوهلة الأولى مساحات ساكنة على هامش اليابسة والماء، غير أن ما يجري في أعماقها يحكي قصة توازن دقيق لمكونات التنوُّع الأحيائي وهذه البيئات. ففي هذه البيئات، حيث يلتقي الماء بالتربة والنبات، تنبض أنظمة بيئية معقّدة تؤدي أدوارًا تتجاوز حدود المكان، فهي خطوط دفاع طبيعية، وموارد حياة، وذاكرة بيئية تختزن تاريخ الأرض ومستقبلها. إن فهم قيمتها ليس ترفًا معرفيًا، بل خطوة أساسية لصون توازن الكوكب وإنقاذه من الأزمات وضمان استدامة موارده للأجيال القادمة. وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا لافتًا في إعادة اكتشاف قيمة الأراضي الرطبة داخل بيئة يغلب عليها الطابع الجاف. وقد ترافق هذا الإدراك مع جهود مؤسسية متنامية لحصر الأراضي الرطبة ودراسة وظائفها البيئية وحمايتها.

في لحظة ما، قد تبدو الأرض قاحلة لا حياة فيها، لكن ما إن تهطل الأمطار أو يرتفع مستوى المياه، حتى يتحول المشهد بالكامل. تنبثق الحياة من جديد؛ نباتات تظهر فجأة، وحشرات تعود إلى الحركة، وطيور تقطع آلاف الكيلومترات لتجد في هذه البقع المائية محطة راحة أو موطنًا مؤقتًا. وكأن هذه الأراضي تحتفظ بذاكرة بيئية تستدعي الحياة كلما توفرت لها شروطها الأساسية. هذه القدرة على التحوُّل السريع ليست مصادفة، بل نتاج توازن دقيق بين الماء والتربة والكائنات الحية، تَشَكَّل عبر آلاف السنين (Ramsar convention 2016).
في هذه المناطق الانتقالية تحديدًا تنشأ أعلى درجات التنوع الأحيائي وأكثر الشبكات البيئية تعقيدًا. فحيثما يلتقي الماء بالأرض، تتكاثر أشكال الحياة، وتتداخل سلاسل الغذاء، وتتجدد الموارد الطبيعية بوتيرة يصعب تعويضها في أي نظام بيئي آخر (CBD 2010).

ما هي الأراضي الرطبة؟
تُعرَّف الأراضي الرطبة بأنها أنظمة بيئية يشكّل الماء فيها العنصر الأساس المنظِّم لخصائصها الطبيعية ولأنماط الحياة النباتية والحيوانية المرتبطة بها، سواء كانت مياهها عذبة أو مالحة، طبيعية أو من صنع الإنسان، دائمة أو موسمية. وتشمل هذه الأنظمة، البيئات البحرية والساحلية، مثل: البحيرات والأنهار، والمياه الجوفية والمستنقعات، والأراضي العشبية الرطبة والواحات، ومصاب الأنهار والدلتا، ومسطحات المد والجزر، التي لا يتجاوز عمق المياه فيها ستة أمتار خلال الجزر، إضافةً إلى غابات المانغروف والشعاب المرجانية، وبعض البيئات التي أنشأها الإنسان، مثل: برك معالجة الصرف الصحي، وأحواض الأسماك، وحقول الأرز، وأحواض الملح.

أنماط الأراضي الرطبة وتنوُّعها
تتنوع الأراضي الرطبة في أشكالها وخصائصها تبعًا لمصدر المياه وطبيعة البيئة المحيطة، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنماط رئيسة:
النمط الأول هو الأراضي الرطبة الداخلية، وتشمل المستنقعات، والأودية، والجداول، والغدران، والعيون المائية العادية والحارة، والسهول الفيضية،

والشلالات الجبلية، إضافةً إلى الأراضي الرطبة الصحراوية، والأراضي الرطبة الكارستية المرتبطة بتكوينات الحجر الجيري والمياه الجوفية.
النمط الثاني هو الأراضي الرطبة الساحلية، التي تضم مستنقعات المياه المالحة، ومصبات الأودية والأنهار، وغابات المانغروف التي تؤدي دورًا محوريًا في حماية السواحل ودعم الحياة البحرية.
أمَّا النمط الثالث، فيتمثّل في الأراضي الرطبة التي أنشأها الإنسان، مثل: السدود والبحيرات الاصطناعية ومزارع الأسماك، التي باتت تشكّل بدورها موائل بيئية مهمة تسهم في دعم التنوُّع الأحيائي وتوفير موارد مائية وغذائية.

أهميتها
وللأراضي الرطبة أهمية تتجاوز احتضان الكائنات الحية. فهي تؤدي وظائف بيئية أساسية جعلت العلماء يُطلقون عليها وصف “كُلى الطبيعة”. إذ تعمل على تنقية المياه من الملوثات، وتنظيم تدفقها، وتخفيف آثار الفيضانات، وتخزين كميات هائلة من الكربون في تربتها ونباتاتها، وهو ما يضعها في صميم الجهود العالمية لمواجهة تغيُّر المناخ. ومع ذلك، ظلَّ كثير من هذه الوظائف غير مرئي للعين؛ لأن نتائجها لا تظهر فورًا، بل تتراكم بهدوء عبر الزمن.
وإلى جانب ذلك، تعدُّ مصدرًا مهمًا لإنتاج الطاقة وداعمًا للإنتاج الزراعي، وعنصرًا أساسيًا في تنظيم المناخ، فضلًا عن قيمتها الكبرى للماء والغذاء والدواء،

ودورها بوصفها محطات مهمة لهجرة الطيور المائية بين قارات العالم، وقيمة سياحية واقتصادية متنامية.
بدايات الوعي الدولي بأهمية الأراضي الرطبة
حتى منتصف القرن العشرين، كان يُنظر إلى الأراضي الرطبة في معظم دول العالم نظرة نفعية ضيقة؛ إذ عُدّت في كثير من الأحيان أراضي هامشية قابلة للتجفيف والاستصلاح الزراعي أو العمراني. غير أن هذا التصوُّر بدأ في التغيُّر مع تصاعد الاهتمام العلمي بالتنوُّع الأحيائي وهجرة الطيور المائية، ولا سيما في أوروبا وأمريكا الشمالية. وقد أدى علماء الطيور دورًا محوريًا في هذا التحوُّل، بعدما لاحظوا التراجع الحاد في أعداد الطيور المهاجرة نتيجة فقدان موائلها الطبيعية،خاصة الأراضي الرطبة الساحلية والداخلية. ومع ستينيات القرن الماضي، بات واضحًا أن هذه البيئات تؤدي وظائف بيئية لا يمكن تعويضها، تتجاوز كونها مجرد مصادر للمياه أو الأراضي القابلة للاستغلال وفقًا لتقرير البنك الدولي عام 2020 حول الحلول القائمة على الطبيعة للتكيف مع التغيُّرات المناخية.


اتفاقية رامسار: نقطة التحوُّل المؤسسية
شكّل عام 1971 محطة مفصلية في تاريخ حماية الأراضي الرطبة، مع اعتماد اتفاقية رامسار. ودخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ رسميًا عام 1975، لتصبح أول معاهدة دولية مكرّسة بالكامل لنظام بيئي واحد. وهدفت الاتفاقية إلى وضع إطار عالمي للحفاظ على الأراضي الرطبة وضمان “الاستخدام الرشيد” لمواردها، مع التركيز على المواقع ذات الأهمية الدولية، خصوصًا أنها موائل للطيور المائية. ومنذ ذلك الحين، توسّع نطاق الاهتمام ليشمل الوظائف الهيدرولوجية، ودورها في تنقية المياه، وتخزين الكربون، ومواجهة تغيُّر المناخ. وبحلول العقدين الأخيرين،

باتت الأراضي الرطبة عنصرًا أساسيًا في السياسات البيئية العالمية، ومرتبطة مباشرة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ولا سيما تلك المتعلقة بالمياه والمناخ والتنوُّع الأحيائي. وقد انضمت إلى الاتفاقية حتى اليوم 172 دولة، ما يعكس تحوُّل الأراضي الرطبة من قضية بيئية متخصصة إلى أولوية دولية عابرة للحدود.


الأراضي الرطبة في المملكة
أدرك القائمون على حماية الحياة الفطرية في المملكة العربية السعودية مبكرًا الأهمية البيئية البالغة للأراضي الرطبة، بوصفها نظمًا طبيعية حساسة تؤدي أدوارًا محورية في حفظ التنوُّع الأحيائي وتنظيم الموارد المائية. وأدركوا أيضًا

ضرورة تركيز الاهتمام على حمايتها، وقاموا بمجموعة من التدابير، من بينها إجراء مسوحات عن أماكنها وبيئاتها المختلفة، وإحصاء التنوُّع والأنماط الأحيائية الموجودة فيها. وقد كشفت هذه المسوحات عن تنوُّع مدهش لأنماط مختلفة من الأراضي الرطبة، يُظهر التضاريس والمناخات المائية، واختلاف الأحياء الطبيعية في هذه البيئات، سواء كانت موسمية أو دائمة.
ويعكس انضمام المملكة ممثّلةً في المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية كنقطة اتصال وطنية، للاتفاقية الدولية للأراضي الرطبة “رامسار”، التزامها بصون ثرواتها البيئية وموائلها الفطرية، وما تحتويه من تنوُّع أحيائي ثري ومتنوع، وتعزيز الاستدامة البيئية.
يُعدُّ هذا الانضمام دعمًا قويًا للجهود الدولية في الحفاظ على النظم البيئية البرية والساحلية، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بقضايا المياه والمناخ والتنوُّع الأحيائي.

كيف تنظّف الأراضي الرطبة الماء؟
تمتص الأراضي الرطبة مياه الفيضانات، وتحتجز الملوثات والرواسب، وتفكك المركبات الكيميائية الضارة عبر التربة والنباتات، ما يحسّن جودة المياه السطحية والجوفية
المصادر: اتفاقية رامسار، والتقييم العالمي للأراضي الرطبة، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ.

التهديدات الرئيسة التي تهدد الأراضي الرطبة
تختفي الأراضي الرطبة بمعدل أسرع ثلاث مرات من اختفاء الغابات. وقد أفاد تقرير (Global Wetland Outlook) بأن أكثر من ثُلث الأراضي الرطبة الطبيعية في العالم (نحو %35)، قد اختفت منذ عام 1970. وبالرغم من أنها تمتاز بتنوُّع أحيائي كبير، فإن أنظمتها حساسة للغاية وسريعة التدهور. فقد أدت مجموعة من الضغوط البشرية والبيئية إلى تقلُّص مساحات واسعة منها أو فقدانها كليًا، وفي مقدمة هذه الضغوط: التنمية غير المستدامة، والتلوث، وتغيُّر المناخ، إلى جانب عوامل أخرى مثل الأنواع الغازية.

التنمية غير المستدامة
شكَّلت الأراضي الرطبة عبر التاريخ، ولا سيما السهول الفيضية، مناطق طبيعية لامتصاص المياه الزائدة، وتنظيم تدفقها وإعادة توزيعها. غير أن التوسُّع العمراني والصناعي والزراعي غير المنضبط، أدى إلى تجفيف هذه البيئات أو تجزئتها، ما أفقدها قدرتها على أداء وظائفها الطبيعية، وأسفر عن تدمير موائل الكائنات الحية، والقضاء على الأراضي الرطبة.


التلوث
تؤدي أنظمة الأراضي الرطبة دورًا مهمًا في تنقية المياه عبر احتجاز الملوثات وترسيبها أو تفكيكها بواسطة ميكروباتها، إلا أن قدرتها على المعالجة محدودة. فالتلوث الناتج عن المصانع والأسمدة والمبيدات الحشرية، وتسرُّب المواد الكيميائية المختلفة، وانتشار النفايات البلاستيكية، يشكّل تهديدًا مباشرًا وخطيرًا للأراضي الرطبة.


تغيُّر المناخ
على الرغم من إسهام الأراضي الرطبة في تخفيف آثار تغيُّر المناخ من خلال تخزين الكربون، فإنها في الوقت نفسه شديدة التأثر بالتغيُّرات المناخية؛ إذ يؤثر ارتفاع درجات الحرارة وتغيُّر أنماط هطول الأمطار ومستويات المياه، في استمرارية هذه النظم البيئية وقدرتها على البقاء، ما يجعل تغيُّر المناخ أحد أخطر التحديات التي تواجه مستقبل الأراضي الرطبة واستمراريتها وديمومتها.

ويقود المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية خطةً تطويرية شاملة ومستدامة تُعنى بحماية وتنمية الحياة الفطرية والتنوُّع الأحيائي في البيئات البرية والساحلية والبحرية. وتشمل هذه الجهود بناء قاعدة معرفية عن التنوُّع الأحيائي في المملكة، وتحديث الخطة الوطنية للأراضي الرطبة، وإعداد خرائط رقمية مكانية حديثة، ودعم برامج الرصد العلمي، والتعاون مع الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية المحلية والعالمية؛ لدعم عمليات الرصد، وبناء وتنفيذ خطط المحافظة على بيئات الأراضي الرطبة.
ولا تقتصر أهمية الأراضي الرطبة في المملكة على كونها مساحات طبيعية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كونها نظمًا بيئية غنية بثروات فطرية فريدة، تدعم الأمن المائي والغذائي، وتفتح آفاقًا للتنمية البيئية والسياحة المستدامة. ويأتي ذلك في انسجام مع أهداف “رؤية المملكة 2030” و”مبادرة السعودية الخضراء”، بما يعزّز جودة الحياة ويضمن الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية.


مخرجات الخطة الوطنية لمشروع الأراضي الرطبة
في إطار توسيع نطاق حماية الأراضي الرطبة، يعمل المركز على ترشيح مواقع إضافية ذات أهمية بيئية لتسجيلها ضمن قائمة اتفاقية “رامسار”. وقد شملت الخطة الوطنية حصر أكثر من 600 موقع رطب في أنحاء المملكة، يتقاطع 244 منها مع نطاق محميات طبيعية قائمة، وتقييم بيئات الأراضي الرطبة، وحصر التنوُّع الأحيائي المرتبط بها، ودمج هذه البيانات في قواعد معلومات وطنية.

جزر فرسان: أول موقع رطب على قائمة “رامسار”
سُجِّلت جزر فرسان بوصفها أول موقع رطب يُدرج على قائمة الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية ضمن اتفاقية “رامسار”، في خطوة تعكس التحوُّل النوعي في مسار حماية البيئات الطبيعية في المملكة. وتقع الجزر في البحر الأحمر على بُعد نحو 40 كيلومترًا من الساحل، وتُعدُّ أرخبيلًا مرجانيًا يضم أكثر من 170 جزيرة بين جزر صغيرة ونتوءات صخرية، تمتد على مساحة تتجاوز 10,600 هكتار. وتمثّل هذه الجزر فسيفساء بيئية نادرة تجمع بين الشعاب المرجانية، ومروج الأعشاب البحرية، والمسطحات الطينية، وغابات المانغروف الواسعة التي تهيمن عليها أنواع مثل: الشورة والقندل، إلى جانب أحراش الطلح والمر في المناطق الداخلية..

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد