[issue-single-data]

د. عبدالله القويز.. من الدبلوماسية إلى دروب الطبيعة

د. عبدالله القويز.. من الدبلوماسية إلى دروب الطبيعة

دعوة للتأمل في جمال المحميات وتنوُّعها البيئي

لقاء: عصام الحاج

ضيفنا الدكتور عبدالله القويز يمشي بخطى ثابتة وروح متقدة. رجلٌ تجاوز الثمانين، لكنه لا يزال يقطع يوميًا كيلومترات من التأمل، كأن الأرض تمده بالحكمة مع كل خطوة. وفي عالمٍ يزدحم بالضجيج، اختار المشي ليكون طقسه اليومي، ووسيلته للصفاء الذهني والاتزان الجسدي.
بالنسبة إليه، وهو السفير السابق والمفكر الاقتصادي، المشي ليس مجرد رياضة، بل طقسٌ يومي يعيد فيه ترتيب أفكاره، ويغسل فيه ذهنه من شوائب الحياة. يرى في كل خطوة فرصة للتفكر واستكشاف جمال المملكة الأخاذ، وفي كل منظر دعوة للحفاظ على الطبيعة المتنوعة. يشجع الآخرين، خاصة كبار السن، على تبني هذه العادة، مؤمنًا بأنها مفتاح الصحة الجسدية والنفسية.
في هذا اللقاء، نرافقه في دروبه المعتادة، لنكتشف كيف تحولت خطواته إلى فلسفة حياة، وكيف يمكن للمشي أن يكون أكثر من مجرد حركة.
بداية، نسأله عن سبب ممارسته المشي لمسافات طويلة، وما هي أبرز الفوائد التي يجنيها منه؟
يرد علينا بسؤال: ولماذا لا أمشي؟ ويوضح: الدافع الأساسي هو توفر الصحة الجيدة (والحمد لله) والوقت. ويعدُّ المشي هو الحياة، وهو أكثر متعة من أشياء كثيرة. المشي لمسافات طويلة يساعد على التفكُّر في خلق الله، والمعالم، والتاريخ، والأشياء غير العادية. وهو يجمع بين الصحة الجسدية والصحة النفسية. يختلف المشي بالصحاري، الذي قد يكون مملًا أحيانًا لتشابه المنظر، عن المشي في الجبال الذي يكون مليئًا بالتحدي والمفاجآت وغيرها.
ويضيف: المشي يمنحك معلومات جديدة أكثر مما تجده في الكتب. فهو يسمح بالتعرف على التاريخ بشكل أعمق. على سبيل المثال، عند المشي في درب زبيدة (الذي يمتد 1400 كيلومتر من بغداد إلى مكة)، يرى المرء المعالم الأثرية وكيف تعاملت المدن مع نقص المياه وعالجته هندسيًا. المشي يساعدك على التعرف على بلدك وإحياء ذكريات الماضي. وقد أدَّت مناطق مثل الأحساء ونجد أدوارًا تاريخية عديدة، كونها المنفذ الرئيسي على العالم. وقد شهدت جهودًا لإحياء طرق تاريخية، مثل مسار الملك عبدالعزيز لفتح الرياض وطريق الإمام تركي الذي سلكه للوصول إلى الدرعية. المشي يسمح لك باكتشاف أشياء تتعلمها وتعرفها برجليك، ولا تعرفها إذا مررت بالسيارة.

أخلاقيات المشي

  • المشي وممارسة الرياضة عمومًا تُعدُّ من العوامل الأساسية للحفاظ على صحة الجسم، وتزداد أهميتها لدى كبار السن؛ إذ تمنحهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم في تلبية احتياجاتهم اليومية دون الحاجة إلى مساعدة أفراد الأسرة أو العمالة المنزلية. كما تسهم هذه الأنشطة بشكل فعّال في تعزيز الصحة العامة، خاصة في ظل انتشار العادات الغذائية غير الصحية التي تؤدي إلى أمراض مزمنة مثل ارتفاع الكوليسترول والسكري.
  • المشي يعلم الأخلاقيات البيئية. يجب على ممارس رياضة المشي أن يحرص على عدم أذية النباتات أو الحيوانات أو الزواحف، وعدم كسر الأشجار الصغيرة. وأهم قاعدة هي عدم ترك أثر. فتوسيخ المكان أو حرقه، أو قطع الأشجار، هو سلوك سلبي جدًا وغير أخلاقي ومسيء للبيئة ولسمعة البلد.

وردًا على سؤال كيف يسهم المشي في فهم التنوُّع البيئي في المحميات وحماية الطبيعة؟ يقول:
يساعد المشي على تقدير الجهود المبذولة في المحميات. ويتيح رؤية التنوُّع الأحيائي والغطاء النباتي، والجهود المبذولة لإعادة توطين الأشجار المهددة. إن المشي داخل المحميات يساعد الإنسان على احترام الطبيعة، وأن يكون لديه دافع للحفاظ عليها أكثر من أي نشاط آخر. ويتم ذلك عند رؤية الخضرة والتنوُّع النباتي والتمتع برائحة الأرض.
ونسأله: ألا تؤثر أنشطة المشي على الكائنات الفطرية في المحميات؟ فيجيب بالنفي ويقول: المشي بذاته لا يؤثر سلبًا إذا التزم الناس بالمسارات. لكن المشكلة الكبرى تكمن في السيارات، فهي تقتل النباتات، وتدمر دروبها، وتسبب الغبار الذي يذهب بعناية البذر والتنبيت، وتقتل الكائنات الدقيقة.

ويمكن تحويل المشي لتجربة متكاملة عبر إقامة فعاليات تشمل المشاركة في غرس الأشجار، أو دراسة أنواع النباتات. كما يتم وضع مسارات مرتبطة بالتراث، مثل: مسار جبل مخروق الواقع في محمية الوعول قرب الرياض، ومسار غار قيس وليلى في جبل التوباد الواقع في منطقة الأفلاج، حيث يربطون المسار بالغار والمكان الذي كانوا يلتقون فيه.
وردًا على سؤال عن التحديات التي تواجه البيئة واطلع عليها من خلال مشاويره الكثيرة، يقول: عانت بعض المناطق، مثل الدوادمي (مدينة ضيفنا)، من الرعي والاحتطاب الجائرين وقلة سقوط الأمطار، وهو ما أدى إلى اندثار الأشجار وتحولها إلى قاع صفصف. ولذلك تعدُّ إعادة الكائنات الحية إلى مواطنها الأصلية أمرًا مهمًا، لكنه متعب ومكلف وصعب. وتبذل المحميات الملكية جهودًا كبيرة في هذا الصدد، وكذلك جهود المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية تحظى بالتقدير، حيث يسعى إلى ترسيخ مفهوم الاستدامة من خلال حماية الحياة الفطرية والتنوُّع الأحيائي والنظم البيئية، والعمل على تنميتها بما يحقق التوازن بين الإنسان والطبيعة عبر برامج شاملة وفعالة، تركز على تعزيز المشاركة المجتمعية، باعتبارها حجر الأساس في إنجاح المبادرات البيئية.
وقال الدكتور القويز: “تتكامل الجهود الوطنية في حماية الحياة الفطرية بمشاركة العديد من الجهات المعنية؛ إذ يتولى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية حماية الأنواع المهددة وإعادة توطينها في بيئاتها الطبيعية، بينما يضمن المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر استدامة هذه الموائل عبر مكافحة التصحر وتأهيل الروضات والمحميات، لخلق بيئة حيوية متوازنة”.
وتنتشر مجموعات المشي والهايكنج (المسير الجبلي) في معظم مدن المملكة العربية السعودية؛ إذ تضم مدينة الرياض وحدها ما يزيد على ثلاثين مجموعة تطوعية ومنظمة.
وشدّد ضيفنا على أن إشراك الأفراد والمؤسسات في هذه البرامج يسهم في تعظيم الفوائد الاجتماعية والاقتصادية، ويعزّز من وعي المجتمع بأهمية المحافظة على الموارد الطبيعية. وبناء علاقة مستدامة بين المواطن وبيئته، تضمن للأجيال القادمة إرثًا طبيعيًا غنيًا ومتنوعًا.

ويفضل ضيفنا المشي منفردًا، ويوضح: المشي وحدَك يمنحك فرصة للتفكير دون انقطاع، ويسمح لك بتصوير الأشياء ودراسة المكان ودراسة المخططات بروية، ولكنه ينطوي على بعض المخاطر. ولذلك، نصيحته هي أن يتم المشي ضمن مجموعات، وخاصة في المناطق الجبلية وغير المأهولة.
ويقول: كان الخطر الأبرز في الماضي هو الذئب (الذيب)، وقد شاهدته وسمعت صوته عدة مرات. إذا كان الذئب جائعًا، فإنه قد يُهاجم الشخص. كما أن الضياع في الصحراء والتعرض للظمأ والجوع يمكن أن يحول التجربة إلى مغامرة خطرة.
ونسأل ضيفنا عن رحلاته والمناطق التي زارها، فيقول:
تنقلت بين القمم والوديان، عابرًا حدود الجغرافيا والثقافات. من قلب المملكة العربية السعودية، حيث صعدت أعلى قممها واستكشفت تضاريسها المتنوعة، إلى الولايات المتحدة، حيث مارست الهايكينغ في أجزاء كثيرة منها، وصعدت أعلى جبل في إنجلترا. وفي لبنان، تنقلت بين جباله كمن يقرأ فصولًا من كتاب الطبيعة. أما في اليونان، فقد صعدت إلى جبل أوليمبوس، وتايغتوس الذي يروي حكايات التاريخ. وفي تنزانيا، وصلت إلى قمة كلمنجارو، رابع أعلى قمة في العالم. بينما في المغرب، اعتليت تُوبقال، أعلى قمة عربية. وفي مصر، وقفت على سانت كاترين، شامخة في سيناء. لم تتوقف الرحلة هناك، بل امتدت إلى عمان، وفرنسا، وسيرلانكا، والسودان، وموريتانيا، حيث تركت آثار خطواتي على دروبٍ لا تُنسى.
ومشيت في مناطق مختلفة حول العالم، منها جنوب شرق آسيا (مثل بروناي)، حيث يكون المشي داخل الغابة ويتطلب حذرًا كبيرًا. كما شملت الرحلات عددًا كبيرًا من الدول الأوروبية (سويسرا، وإيطاليا، والبوسنة والهرسك، وفرنسا، وبريطانيا) وأمريكا اللاتينية (البيرو، في منطقة قريبة من قمم الجبال العالية). وفي إفريقيا، استمتعت برحلاتي في إثيوبيا. وقد تباين الطقس في هذه المناطق بين الحار والرطب جدًا، والبارد جدًا. وصعدت أيضًا إلى ايفريست بيس كامب الذي يبلغ ارتفاعه 5345 متر فوق سطح البحر
يرى الدكتور القويز أن الإقبال المحلي على المشي كبير جدًا. هناك الآن حوالي 30 جمعية ومجموعة محلية للمشي في المملكة. ويكمن الدور الريادي لجمعية “درب” التي أسسها الضيف مع مجموعة من أصدقائه الذين يشاركونه نفس الهواية في رسم المسارات وتهيئتها ووضع العلامات عليها. وتقوم الجمعية بتنظيم فعالية “تدشين” للمسار، وخلال إحدى هذه الفعاليات (في قرية حصاة قحطان الصغيرة المعزولة) حضر ما بين 300 و400 شخص للمشي، معظمهم متطوعون جاؤوا من جميع أنحاء المملكة.

جمعية درب
جمعية درب هي جمعية غير ربحية تهدف إلى تعزيز ثقافة المشي في المملكة العربية السعودية من خلال إنشاء مسارات آمنة وسهلة الوصول في مختلف المناطق. تسعى الجمعية إلى تحسين جودة الحياة عبر دعم الروابط الاجتماعية والتفاعل المجتمعي، إضافةً إلى إثراء تجربة السياحة الداخلية.
وتتمثّل رسالتها في توفير بيئة داعمة للمشي من خلال التعاون مع الجهات الحكومية والخاصة، وتطوير وسائل تقنية تساعد المهتمين في التعرف على المسارات المتاحة وخدماتها، والمساهمة في الحفاظ على البيئة الطبيعية والتراثية. ومن أهداف الجمعية أيضًا توفير المعلومات الفنية للجهات والأفراد المهتمين، وضمان سلامة المستخدمين والمتطوعين في المسارات، مما يعزز الاستدامة ويخدم المجتمعات المحلية.

مسارات المشي
تُعدُّ مسارات المشي التي تحددها جمعية درب وترسمها وتهيئها وتنظفها وتصونها عنصرًا أساسيًا في تعزيز السياحة البيئية ونشر ثقافة النشاط البدني في المملكة. فهي تتيح للزوار فرصة استكشاف الطبيعة والتضاريس المحلية بطريقة آمنة ومنظمة. تعتمد الجمعية في اختيار المسارات على معايير دقيقة تشمل سهولة الوصول، وتنوع التضاريس، والسلامة، وجاذبية المناظر الطبيعية. كما تُراعى الجوانب البيئية لضمان الحفاظ على التنوُّع الحيوي وعدم الإضرار بالمواقع الطبيعية. هذه المسارات تُسهم في رفع جودة الحياة وتعزيز الوعي البيئي لدى المجتمع. ومن بين المسارات الكثيرة التي أنجزتها الجمعية، ويتجاوز عددها 30 مسارًا، نذكر:
مسار درب عجلان – مسار جبل الحضر – مسار جلاجل التاريخي – مسار ثهلان – مسار القويعية – مسار جبل ساق.

شايب وصل قمة كلمنجارو راجلًا وعاد سالمًا
أصدر ضيفنا كتابًا ممتعًا يوثق فيه رحلته الملهمة إلى قمة جبل كلمنجارو، أعلى قمة في قارة إفريقيا بارتفاع يبلغ نحو 5,895 مترًا فوق سطح البحر. يروي الكتاب تفاصيل التجربة منذ لحظة التخطيط حتى الوصول إلى القمة، برفقة مجموعة من المغامرين الذين شاركوه التحديات والصعوبات على امتداد الطريق.
جبل كلمنجارو يقع في شمال شرق تنزانيا، ويُعدُّ من أشهر المعالم الطبيعية في القارة، ليس فقط لعلوّه الشاهق، بل لأنه أيضًا أعلى جبل قائم بذاته في العالم؛ إذ يرتفع بشكل مهيب فوق السهول المحيطة به. يتكون الجبل من ثلاثة مخاريط بركانية: كيبو (وهي القمة الأعلى)، وماوينسي، وشيرا، ويُعدُّ بركانًا طبقيًا خامدًا.
وخلال الرحلة، يمر المتسلقون عبر بيئات متنوعة تبدأ بالغابات المطيرة وتنتهي بالثلوج الدائمة التي تغطي القمة، وهو ما يجعل التسلق تجربة فريدة تجمع بين الجمال الطبيعي والتحدي البدني والذهني. وقد نجح ضيفنا في نقل هذه التجربة بأسلوب سردي جذاب، يتيح للقارئ أن يعيش تفاصيل المغامرة وكأنه أحد أفراد الفريق، إلى جانب الصور الكثيرة المعبرة.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد