[issue-single-data]

وقف مجتمع أيون.. حين يصبح الوقف أداة للمستقبل

وقف مجتمع أيون.. حين يصبح الوقف أداة للمستقبل

مشاعل بنت سعود الشعلان

الشريك المؤسس لمجتمع أيون

في بلد تُشكّل فيه تقاليد الوقف أحد أعمدة تاريخه الاجتماعي، لم يكن من المنطقي أن تبقى عمارة الأرض خارج هذا الامتداد المؤسسي.
الوقف في تاريخنا ليس فكرة رمزية، بل نظامًا اجتماعيًا صُمّم ليعيش أطول من مؤسسيه. بُنيت به مدارس، وسُقيت به أراضٍ وحُفظت به منافع عامة؛ لأن أصحابه أدركوا أن المسؤولية لا تنتهي بحدود العمر.
ومع اتساع التحديات البيئية في العقود الأخيرة، بدا واضحًا أن هذا الإرث العريق لم يستثمر بعد في مجال يمس مستقبلنا جميعًا: العلاقة مع الأرض. كانت البيئة تُدار غالبًا كمشروع، أو برنامج مرحلي، أو ملف تنظيمي، لا كأمانة ممتدة عبر الأجيال.
من هنا تأسّس وقف مجتمع أيون
اخترنا صيغة الوقف لأن الاستدامة، إن أُخذت بجدية، لا يمكن أن تكون مبادرة مؤقتة. أردنا إطارًا يضمن ديمومة الأثر، ويجعل من عمارة الأرض التزامًا مؤسسيًا طويل النفس، لا استجابة ظرفية لموجة عالمية. بدأنا أعمالنا منذ عام 2015، ثم

تبلور الوقف رسميًا في 2020، في لحظة كانت المملكة تعيد فيها صياغة أولوياتها البيئية وتفعّل أدواتها الوطنية للتحول.
لكن فكرة الوقف سبقتها رحلة فهم أعمق
عندما بدأت أنا ونورة بنت تركي بن عبدالله في مرحلة الماجستير في العلاقات الدولية والتنمية المستدامة وتخصّصنا في سياسات المناخ والطاقة، اكتشفنا أمرًا لافتًا. رغم أننا لم نتلقَّ تعليمًا تقنيًا مبكرًا في هذا المجال، كانت مفاهيم الطاقة والموارد والتوازن مألوفة لنا أكثر مما توقعنا. أدركنا أن هذا الفهم لم يأتِ من الكتب وحدَها، بل من بيئة ثقافية تشكّلت في أرض يعرف أهلها معنى الندرة، ويدركون أن البقاء مرهون بحسن التدبير.


الاستدامة لم تكن مصطلحًا جديدًا بل كانت ممارسة
أعود هنا إلى عام 1991. أثناء حرب الخليج، بقيت في الرياض مع جدي – رحمه الله. كانت أجواء القلق واضحة، والناس ترتدي الكمامات، والحديث عن التلوث والخطر حاضر في تفاصيل الحياة اليومية. وعندما انتهت الحرب، لم يكن أول ما فعله جدي

أن يسافر بنا بعيدًا. أخذنا إلى البر. خيام بسيطة، وصمت واسع، وسماء مفتوحة. هناك، عاد إليّ توازني كطفلة دون أن أفهم لماذا. لاحقًا أدركت أن العلاقة بالأرض ليست ترفًا، بل حاجة نفسية عميقة.
بعدها ذهبنا إلى رأس مشعاب. كانت تلك أول مرة أرى فيها النفط يطفو على سطح البحر. تسرُّبٌ ضخم خلفته الحرب، امتد أثره على مساحات واسعة من الساحل. رأيت جدي ووالدي وأعمامي يشاركون في تنظيف الطيور والكائنات البحرية المتضررة. لم يكن هناك خطاب، بل كان هناك فعل. إذا اختل التوازن، نحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه.
في تلك التجارب المبكرة، لم تكن البيئة قضية أيديولوجية، ولا ملفًا سياسيًا، بل كانت علاقة. كما كانت جدتي – رحمها الله – تنحني لتلتقط ما يسقط على الأرض رغم ألم ركبتيها. احترام المكان لم يكن قيمة نظرية، بل سلوكًا يوميًا.
لاحقًا، حين تعقّد الخطاب البيئي عالميًا، بدا كأن النقاش يدور حول اكتشاف حديث. لكن في سياقنا، لم يكن الأمر اكتشافًا بقدر ما هو استعادة. الفكرة الجوهرية في تراثنا ليست سيطرة الإنسان على الأرض، بل تحمُّله للأمانة. حين يرد في القرآن: “إني جاعل في الأرض خليفة”، فالمعنى ليس امتيازًا، بل هو تكليف. وحين يأتي التحذير: “ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”، فهو يفترض أن للأرض حالة توازن سابقة، وأن الإفساد خروج عنها. بل ويقرر النصُّ أن الكائنات الأخرى “أمم أمثالكم”، بما يحمله ذلك من إقرار بأن الوجود ليس مسرحًا أحاديًا للإنسان، بل شبكة من مجتمعات متوازية.
من هذا الفهم صُغنا معنى “عمارة الأرض” كما نراه: ليست إعمارًا عمرانيًا، بل إعادة سكن أخلاقي؛ أن نعيش على هذه الأرض بوصفنا مسؤولين عنها، لا متحكّمين فيها.


وقف مجتمع أيون يعمل على هذا المعنى عبر مسارين متكاملين:
الأول، منصة عمارة الأرض (PAN)، التي تركّز على إحداث تغيير في النظم من خلال تعزيز التعاون المؤسسي، وتطوير أطر عمل تضمن أن تصبح المعرفة البيئية جزءًا من البنية الداخلية للمؤسسات، لا خبرة مستوردة تُستدعى عند الحاجة.

الثاني، مكتبة الشجرة (Tree Library)، التي تسعى لإعادة بناء العلاقة بين الفرد والمكان، عبر المعرفة والمجتمع والممارسة؛ لأن التحول يبدأ من الفرد، ثم يمتد إلى المجتمع، ثم ينعكس على المنظومات.
عملنا شمل مبادرات في حماية الأنواع، والحياة البحرية، ومكافحة تدهور الأراضي، وأبحاث المناخ، إضافةً إلى برامج حوار وبناء قدرات بالتعاون مع جهات وطنية. لكن الأهم من تنوع المشاريع هو الإطار الذي يجمعها: تحويل المسؤولية البيئية إلى التزام مستمر، ومتجذر في ثقافتنا، ومؤطر مؤسسيًا.
أكبر التحديات اليوم ليست ظاهرة منفردة، بل اختلال في علاقتنا بالأرض. وإذا كان الوقف في جوهره اعترافًا بأن الخير يجب أن يمتد إلى ما بعد أعمارنا، فإن عمارة الأرض هي الوجه البيئي لهذا الاعتراف.
السؤال الذي يبقى لنا جميعًا: كيف نعيش هذا المعنى، لا بوصفه خطابًا، بل ممارسة يومية ومؤسسية تعيد التوازن إلى علاقتنا بالمكان الذي نسكنه؟

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد