[issue-single-data]

أحمد نيازي عينٌ ترقب التحليق..

أحمد نيازي عينٌ ترقب التحليق..

سيرة الضوء والريش بين جبال أبها ووديانها

حوار: سعد العريج

تتجسّد في سيرة أحمد محمد نيازي عامر حكايةُ شغفٍ لم يولد بقرار إداري أو بمحض صدف عابرة، بل انبثق من لحظة طفولة عتيقة لا تزال تفاصيلها عالقة في دهاليز الذاكرة؛ حيث بدأت فصول هذه القصة في أروقة “مدرسة العزيزية الابتدائية” بمدينة أبها. وهناك، وبينما كانت الخطوات الصغيرة تعبر الممرات، وقعت عيناه على لوحة فنية أبدعها معلمه الراحل محمود صيام – يرحمه الله.
اللوحة الأولى
كانت تلك اللوحة لطائر يزهو بألوانه البراقة، هي اللوحة الأولى التي أثارت في وجدانه فضولًا معرفيًا وجماليًا لا ينضب، فكان يقف أمامها طويلًا يتأمل انحناءات الريش وتمازج الألوان، ثم يعود إلى كنف بيته محاولًا بكل ما أوتي من براءة الطفولة أن يقلّد ذلك الرسم ويستنسخ ملامحه مرارًا وتكرارًا. ولم يكن يدري – حينذاك – أن هذا التقليد الفني ليس إلا تمرينًا أوليًا لرحلة عمر تمتد طويلًا، حتى بعد تقاعده من التعليم؛ إذ تفرّغ تمامًا لهوايته المحببة ليكون المصوِّر والموثق الأبرز لطيور المملكة العربية السعودية، ولا سيَّما في موطنه ومنطقة شغفه الأولى عسير.
دعوة للتوثيق
ومع تعاقب السنين، ظلت تلك الجذوة كامنة حتى عام 2011، حين أهداه أحد أصدقائه كاميرا احترافية مزودة بعدسة زوم، لتكون هذه الآلة بمثابة المفتاح الذي فتح له أبواب عالم الطبيعة على مصراعيه. وفي ظلال أماسي شهر رمضان المبارك، كان يقضي وقت “العصريات” في حديقة تقع على الحزام الدائري بأبها، حيث كانت الطيور تقترب منه بشكل لافت للنظر، وتمارس سلوكياتها الحيوية وكأنها تدعوه إلى توثيق تفاصيل حياتها، وخصوصًا طائري الهدهد والتمير.


شغف عارم
بدأ منذ ذلك الحين بالتقاط الصور الأولى، وفي جنح الليل كان يعكف على مراجعة تلك النتائج البصرية وينشر المتميز منها؛ ليجد صدًى واسعًا وردودًا من مصوِّرين محترفين قدَّموا له نصائح جوهرية حول تكوين الصورة وطرق الاقتناص والمعالجة الفنية. ومن هنا، لم يعد الأمر مجرد هواية لتصوير الكائنات، بل تحوَّل إلى شغف عارم يقوده لتتبع أثر الطيور، ومراقبة سلوكها الدقيق، والبحث عن قصصها المخفية بين وعورة الجبال وسكينة الوديان؛ لتنطلق من تلك النقطة رحلته الفعلية في عالم التوثيق البيئي.
أنواع نادرة
لقد كان الدافع خلف كل خطوة يخطوها هو ذلك الشعور المتعاظم بجمال طبيعة عسير، فبدأ يجوب تضاريسها بحثًا عن كائناتها المجنحة التي كانت تظهر وتختفي بلمح البصر. ولم يكن يدرك في البدايات أن بعض ما يقع تحت عدسته هو من الأنواع النادرة أو المتوطنة أو المهاجرة، بل كان كل همِّه أن يصطاد ذلك الجمال الرباني ويحبسه في إطار صورته قبل أن يتوارى أو يضيع.


بيئة غنيّة
تمتلك المملكة ثروةً من الطيور مذهلة تتجاوز الـ550 نوع، وهو رقمٌ لا يُستهان به يعكس غنى البيئة المحلية. لقد آمن بأن التصوير ليس مجرد لقطة جمالية عابرة، بل هو محاولة جادة لإيقاف الزمن في لحظة فارقة تخاطب الوجدان الإنساني وتقول للناس بلسان الحال: إن هذا الكائن يستحق التأمل والحماية. فالطيور في نظره ليست مجرد أرقام صماء، بل هي مؤشر حيوي لصحة البيئة، وإذا حافظنا عليها فإننا في الحقيقة نحافظ على أنفسنا.
ومع مرور السنوات، تحوَّلت تلك الرحلات الفردية البسيطة إلى مشاريع توثيقية حقيقية استطاع من خلالها رصد أنواع نادرة في أرجاء المملكة، وهو ما أهّله للمشاركة في مبادرات بحثية مع جهات رسمية وعلمية مختلفة.

طيور نادرة وفريدة
ولم يقتصر أثر عمله على الأرشفة فحسب، بل أصبحت صوره ركيزة أساسية تُستخدم في حملات التوعية البيئية، وتتصدر المعارض المحلية، وتُعتمد كمرجع بصري في الدراسات العلمية المتخصصة. ويضم أرشيفه اليوم صورًا توثق أدق تفاصيل مراحل حياة طيور نادرة وفريدة، مثل: نقار الخشب العربي، ووقواق ديدرك، صائد الذباب الفردوسي الإفريقي، ووقواق كلاس، والرفراف المطوق، والبومة العربية المخططة، والزرزور أبيض البطن؛ إذ إن كل صورة من هذه الصور تحمل وراءها قصةً ومكانًا ولحظات استثنائية لا تتكرر.

أرشيف بصري شامل
واليوم، يُكرِّس أحمد وقته وجهده لمشروع كان يحلم به منذ سنوات طويلة، وهو بناء أرشيف بصري شامل لطيور عسير، لا يكتفي فيه بتوثيق الأنواع فقط، بل يمتد ليشمل سلوكياتها وبيئاتها الطبيعية، ويسرد من خلاله القصص الإنسانية والمواقف التي تحدث خلف الكواليس أثناء عمليات التصوير المضنية.


كائنات شديدة الحساسية
ويرى أحمد نيازي عامر أن المستقبل سيكون مشرقًا إذا استطعنا الحفاظ على الموائل الطبيعية، وواصلنا السعي في الدراسات العلمية، وعزَّزنا الوعي المجتمعي تجاه هذه الكائنات. غير أن هذا الطريق لم يكن مفروشًا بالورود؛ فالطيور كائنات شديدة الحساسية تتطلب صبرًا طويلًا وجَلدًا على الانتظار لساعات طوال في تقلبات الجو بين البرد القارس والحر اللاهب. كما أن الوصول إلى بعض المواقع الوعرة كان يشكّل تحديًا جسديًا ولوجستيًا كبيرًا، فضلًا عن ضرورة المراقبة الدقيقة للأنواع الحساسة دون التسبب في إزعاجها. ولعلَّ من أكبر التحديات التي واجهته هي نقص الوعي البيئي لدى البعض، حيث كان يشاهد ممارساتٍ تؤذي هذه الكائنات، مثل الاقتراب من الأعشاش أو إزعاج الطيور لأغراض الصيد، سواء كان ذلك بقصد أو دون قصد، وهو ما يضاعف من شعوره بالمسؤولية تجاه توثيق هذا الإرث الطبيعي وحمايته.

التصوير ليس مجرد لقطة جمالية عابرة، بل هو محاولة جادة لإيقاف الزمن في لحظة فارقة تخاطب الوجدان الإنساني.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد