[issue-single-data]

أوشن كويستالدور السعودي الرائد في أعماق المحيطات

أوشن كويستالدور السعودي الرائد في أعماق المحيطات

في الرابع عشر من شهر أبريل الماضي 2025م، شهدت مدينة جدة حدثًا علميًا بيئيًا نوعيًا، بإعلان تأسيس مؤسسة أوشن كويست، في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست”. جاء الإعلان بوصفه مبادرة سعودية عالمية جديدة تُضاف إلى ما يضطلع به السعوديون من دور محوري وأساسي في تعزيز بيئة الاكتشاف والبحث العلمي، وعلى نحوٍ خاصٍ فيما يخص النظم البيئية والمياه والمناخ.
لطالما كرّست المملكة هذا الدور من خلال حزمةٍ من المبادرات والمنجزات. لقد أسّست المملكة لنفسها موقعًا عالميًا في حماية طبيعة الكوكب، ورعاية بيئته، ومهّدت أرضها لاحتضان فعاليات أممية ذات صلة مباشرة بوضع الكوكب الأخضر. ولعلّ آخرها ما تمَّ قبل أشهر، في قمة المياه الواحدة، التي حضرها رؤساء دول ومسؤولون وخبراء، لمناقشة التحديات المتعلقة بالمياه، وتطوير حلول مبتكرة لتحقيق الأمن المائي العالمي، بالتزامن مع مؤتمر الأطراف السادس عشر، لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (كوب 16)، الذي أقيم في الرياض، وهدف إلى إعادة تأهيل واستصلاح وتطوير الأراضي، واستعادة خصوبتها وحيويتها، ومقاومة التصحر والجفاف.


لا تزال المملكة تحمل على عاتقها، بالشراكة والتعاون مع أطراف مختلفة حول العالم، أهدافًا نبيلة تسعى لفهم العمليات الحيوية والتغيرات المناخية للكوكب، وتعمل على اكتشاف أعماق البحار والمحيطات وعلى اليابسة والأراضي الرطبة .
كثيرًا ما شكَّلت أعماق المحيطات أغوارًا ومناطقَ أكثر غموضًا، وأقل استكشافًا على كوكب الأرض، وما زال أكثر من %80 من أعماق المحيطات غير مستكشفة حتى الآن. ولهذا، جاءت أبرز المبادرات السعودية لتلبية الحاجة الملحّة إلى الاستكشاف وسبر الأغوار، والكشف عن أسرار كامنة، بما يُسهم في إثراء المعرفة العلمية، وتقديم حلول مبتكرة تُعزِّز الفهم العميق للبيئة البحرية، وتعود بالفائدة على الإنسانية جمعاء.

الحاجة للاكتشاف والابتكار
على الرغم من التقدّم الهائل في استكشاف الفضاء، فإن بيئة الأعماق، وبسبب الظروف البيئية القاسية، ظلَّت دون استكشاف. الظلام الدامس يفرض عتمته الموحشة، والضغط الهائل يقوّض كثيرًا من الطموحات والآمال.
في إطار المشاركة العالمية، برزت مؤسسة أوشن كويست (Ocean Quest)، بوصفها مبادرة لا يقتصر دورها على درس أعماق الخليج ولا أعماق البحر الأحمر، بل لتدرس أعماق المحيطات في عالمنا الواسع، تلبيةً لنداء الكوكب الأخضر، ومعالجة الثغرات في علوم المحيطات، ودعم اتخاذ قرارات مستنيرة من أجل التنمية العالمية المستدامة.
تحتوي أعماق المحيطات على أنظمة أحيائية وجيولوجية بالغة الأهمية يُمكن أن تُسهم في فهم تطور الحياة، وديناميكيات المناخ، وتعزيز رفاهية الإنسان. لكن هذه الأعماق ظلَّت عصية على الاكتشاف بسبب طبيعتها القاسية وصعوبة الوصول إليها.

أسرار أعماق المحيطات

يُشير مصطلح “أعماق المحيطات” إلى المناطق التي يتجاوز عمقها (200) متر؛ إذ تغيب أشعة الشمس بالكامل، وتصبح البيئة مظلمة وقاسية. وتشكّل أعماق المحيطات نسبة تتجاوز %80 من حجم المحيطات على سطح الأرض، ولا يزال معظمها غير مكتشف، وهو ما يجعلها من أكثر مناطق الكوكب غموضًا وإثارة.
تتميز أعماق المحيطات بالظلام الدامس، وبدرجات حرارة منخفضة تُراوح بين 2‏– 8 درجات مئوية، وبالضغط الهائل الذي يزداد بشكل كبير مع تزايد العمق، وبالنظم الإيكولوجية الفريدة من نوعها، التي تُعدُّ موطنًا لمخلوقات وبيئات مدهشة مثيرة للاهتمام.
وتؤدي أعماق المحيط دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن المناخي، والبيوجيوكيميائي لكوكب الأرض واستمرارية الحياة؛ إذ تُقدّم العديد من الخدمات المهمة للنظام الإيكولوجي البشري. ويتطلّب كشف أسرار هذه الأعماق تقنيات علمية متقدّمة، وهندسة بالغة الدقة، واستخدام أدوات وتقنيات مختلفة، مثل المركبات الآلية والروبوتات المتطورة التي تعمل تحت الماء في ظروف مناخية قاسية، مثل الضغط العالي ودرجات الحرارة المنخفضة، وذلك لاستكشاف أعماق المحيطات وفقًا لتطلعات “أوشن كويست” التالية:

  • استكشاف الحياة في أعماق المحيطات والتعرّف على أشكال الحياة فيها والأحياء المائية الفريدة التي تكيّفت مع هذه الظروف.
  • فهم الأنظمة الفيزيائية، ودراسة التيارات، والضغط الجوي، ودرجات الحرارة، وتأثير كل ذلك على الحياة البحرية والأحياء المائية في أعماق المحيطات.
  • التعرّف على العمليات الكيميائية التي تتم في أعماق المحيطات، وعلاقتها باستمرار الحياة، وتأثيراتها على النظم المناخية العالمية.
  • رسم الخرائط لقاع المحيطات، والتعرّف على التضاريس الجيولوجية، للكشف عن تاريخ تشكُّل الأنظمة الإيكولوجية في قاع المحيطات.

وتبرز التكنولوجيا والروبوتات المتطورة، والهندسة البحرية الدقيقة، أداةً محوريةً للتغلُّب على التحديات الطبيعية واستكشاف هذا العالم المجهول.

استثمار بمليارات الريالات
جبال شاهقة ووديان سحيقة، ومنافس حرارية تنفث المياه الحارة كالمداخن، وشقوق تندفع منها الحمم؛ كل ذلك ما هو إلا جانب بسيط من أعماق تحبس الأنفاس. لكن هذه الأعماق ليست كل شيء أيضًا، فالمحيطات تخفي الكثير في ظلامها المعتم وفي قيعانها العميقة.
ولتسريع وتيرة أبحاث الأعماق في المحيطات، وتعزيز التعاون الدولي، ورفع مستوى الوعي العام بأهمية المحيطات ودورها الجوهري في رسم ملامح مستقبل كوكب الأرض، تُخطط “أوشن كويست” لاستثمار 3 مليارات ريال سعودي في مجال البحث والتطوير العلمي بحلول عام 2050، والإسهام في حماية %30 من الحياة البحرية، ودعم الاستراتيجيات المعنية بالتكنولوجيا الحيوية، والصناعات الدوائية، ورصد الأنظمة البيئية البحرية الحساسة، وتمكين المشاريع المستدامة، واستثمار إمكانات الشعاب المرجانية في المياه العميقة من امتصاص الكربون، وتعزيز طموحات المملكة في الحد من الانبعاثات الكربونية.
لذا، وبحسب رئيس مجلس الأمناء صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، فإن “أوشن كويست” تُمثل فرصة عالمية لاستكشاف أعماق المحيطات، والإسهام في تعزيز التعاون الدولي، وتوفير فرص فريدة للأجيال القادمة، وإيجاد حلول مبتكرة لعديد من التحديات الحالية والمستقبلية في عالم المحيطات.
ذلك أن “أوشن كويست” ترتكز في تحقيق أهدافها على أربعة محاور استراتيجية مترابطة ومتكاملة، هي: الاستكشاف، والابتكار، والتناغم، وجذب الاهتمام.


استكشاف أعماق المحيطات
تكمن أهمية استكشاف أعماق المحيطات في فكّ ألغازها واستشراف أسرارها التي ظلَّت عصية على الفهم، حابسةً كنوزها الدفينة في قاعها الدامس وضغطها

الجوي الهائل، الذي يفوق صلابة الحديد. وعلى الرغم من أن أعماق المحيطات تؤدي عمليات وأدوارًا حيوية تُسهم في إنعاش كوكب الأرض، فهي لا تزال غامضة ومجهولة في كثير من جوانبها. من هنا، تبرز الحاجة إلى من ينهض بمهمة اكتشاف هذه العمليات، وفهم الظواهر الطبيعية الفريدة التي تُسهم في حماية الكوكب، إلى جانب دراسة التنوع الأحيائي المدهش والغنى البيئي اللامحدود الكامن في أعماقها.
فدور المحيط لا يقتصر على تنظيم مناخ الأرض بامتصاص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون فحسب، بل يمتد أيضًا إلى توزيع الحرارة والمغذّيات على مستوى العالم من خلال التيارات المحيطية المختلفة، وهو ما يجعله ركيزة أساسية في استقرار النظم البيئية العالمية.


إن محدودية المعرفة للعمليات التي يقوم بها المحيط، من شأنها أن تعرضنا لمخاطر جسيمة، أبرزها تغير المناخ، وتدهور الأنظمة البيئية البحرية، وكذلك البرية. وما “أوشن كويست”، إلا مبادرة جليلة تهدف إلى كشف الأسرار المكنوزة في الأعماق الدامسة تحت ضغط لا بدَّ من ترويضه. فهو يهاجم كل من تُسوِّل له نفسه الوصول لصندوق الأسرار في قاع المحيط. وهذا هو الذي تعمل عليه “أوشن كويست” التي حملت على عاتقها ترويض هذا “الوحش الكاسر” في الأعماق البعيدة في المحيطات العميقة حول العالم.
قدرات وخبرات
في خضم هذا التحدي الذي تعمل فيه “أوشن كويست” لتسريع وتيرة البحث في عمليات سبر الأعماق المحيطية، حملت على عاتقها ألا تنطلق إلا مدعومة بأكفأ القدرات والخبرات العالية، مقترنة بالبحوث العلمية الرائدة والمعرفة البالغة بعالم المحيطات وأسرارها. وألا تنطلق أيضًا، إلا بأسطول مُتقدم مهنيًا وتقنيًا من المركبات البحثية والروبوتات المُخصصة لمواجهة الأخطار المحدقة في الظلمات الدامسة والضغوط المتنوعة، وأن تزود علماءها وباحثيها بالأدوات والتقنيات الأكثر تطورًا، لتحقيق

أقصى ما يمكن من الاكتشافات العلمية. وقد بدأت فعليًا بإطلاق بعثات علمية طلائعية في مهام استطلاعية متخصصة، قبل أن تشرع في معركتها الحاسمة مع الضغط الجوي الذي يمثّل “الوحش الكاسر” في الظلمات العميقة.
وتُبقي “أوشن كويست” بابها مفتوحًا للعلماء والباحثين لتوسيع نطاق القاعدة المعرفية لدى المجتمع العلمي، وتمكين سُبل التعاون، ودعم المبادرات البحثية، والمؤلفات المرتبطة بالقيعان العميقة، والرحلات البحثية في أكنافها.
الابتكار عندما تواجه قسوة الأعماق المحيطية، لا بدَّ لك من أن تكون متسلحًا بأدوات وتقنيات متطورة. و”أوشن كويست” تتطلع إلى الريادة في تطوير التقنيات والأدوات الخاصة باستكشاف الأعماق، من خلال التصميم والتصنيع المتقدم الذي يُسهم في تسريع وتيرة الاكتشافات العلمية على مستوى العالم، وأن تكون الداعم الرئيسي للاقتصاد الأزرق القائم على الابتكار.


وكأي مؤسسة علمية تسعى “أوشن كويست” لابتكار تقنيات استكشافية جديدة، وتفتح آفاقًا غير مسبوقة في فهم البيئات البحرية العميقة، وتعزيز مكانة المملكة ومساهمتها في الابتكار على الصعيد الدولي، وإنشاء تطبيقات رقمية ذات كفاءة وفعالية عالية في استكشاف الهياكل الموجودة في أعماق المحيط.
وفي عالم مترابط قائم على الشراكات العلمية والبحثية والمعرفية، تتمتع “أوشن كويست” بعلاقات استراتيجية قائمة على تبادل المعرفة، وأنشطة البحث العلمي، وتعزيز التعاون الدولي، لمشاركة الدول الفاعلة في استكشاف المحيطات.
وتُولي “أوشن كويست” أهمية كبرى لحفظ وتوثيق المعرفة، والاهتمام بالبيانات المكتسبة من أعماق المحيطات، ونشرها على أوسع نطاق، ورفدها بالعلماء، والمعلّمين، وصنّاع القرار؛ وذلك لضمان تحقيق أقصى استفادة ممكنة في تسريع وتيرة التقدّم العلمي والتقني في هذا المجال الحيوي الفعَّال.


جذب الاهتمام
تدرك “أوشن كويست” أن رفع مستوى وعي الجمهور بأهمية المحيطات يُعدُّ ركيزة أساسية في أعمالها؛ إذ يُسهم في توسيع سبل المشاركة المجتمعية وتحفيز الأجيال القادمة على قيادة التغيير الإيجابي. ومن هذا المنطلق، تنفّذ “أوشن كويست” حزمة متنوعة من البرامج التوعوية والتواصلية الهادفة إلى إشراك المجتمعات المحلية، بما يُعزّز من جهود استكشاف المحيطات، ويرسّخ تقديرها للقيمة البيئية والعلمية الكامنة في أعماقها من خلال نشر الثقافة البحرية والعمل على رفع مستوى الوعي المعرفي بالمحيطات، وإشراك الجمهور في القضايا المتعلقة بالأعماق، والإسهام في توسيع دائرة الفهم المجتمعي بدور المحيطات في مستقبل الكوكب. وستكون المدارس وبوابة المؤسسات التعليمية على أولويات الشراكة والتعاون المجتمعي، لإلهام الطلاب وتثقيفهم بعلوم البحار والمحيطات، وتشجيعهم على الانخراط في مسارات مهنية ضمن المجالات البحرية والعلمية.

التأسيس

تأسست في محافظة جدة بتاريخ 14 أبريل 2025م

المقر

جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست” في ثول

الغاية

الكشف عن عجائب المحيطات

الرؤية

استكشاف أسرار المحيطات لخدمة البشرية

الرسالة

تسريع اكتشاف المحيطات وتشجيع الابتكار في هذا المجال ودعم التعاون بين الدول ورفع اهتمام الجمهور

القيم

  • الابتكار

-الابتكار والإبداع في تطوير التقنيات الجديدة وإيجاد الحلول بشكل مستمر

  • التشويق

البحث عن سُبل تواصل ممتعة لدعم شركائنا

  • التميّز

الكفاءة والفاعلية من أجل تعزيز الإنتاجية والاستفادة من الموارد والعمليات وفقًا لما تحدّده كل مهمة

  • النزاهة

الالتزام بالشفافية والنزاهة كأساس لتعاملاتنا

  • الشمولية

التحلّي بمبادئ العالمية والشمولية أثناء التعامل مع النظام الإيكولوجي الخارجي والداخلي على حدٍّ سواء

الأولويات

  • التضافر
  • الاكتشاف
  • الابتكار
  • التفاعل
Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد