وضحى حمدان الغامدي
اختصاصية بيئة برية
في محافظة العقيق بمنطقة الباحة، أُتيحت لي فرصة لا تقدّر بثمن للكشف عن واحد من أروع كنوزنا الطبيعية: وادي”الغرّين”، وهو فرع حيوي من وادي كر. لم يكن هذا مجرد مسح ميداني، بل كان رحلة استكشافية إلى أعماق نظام بيئي فريد، يزخر بالتنوع الأحيائي الذي لم يُوثّق مثله في المنطقة من قبل.
رحلة إلى المجهول
بدأت مهمتي بتخطيط دقيق لمسح ميداني شامل في منطقة جبلية تتسم بالوعورة الشديدة والانحدار. كان التحدي كبيرًا، ولكن الشغف بالاستكشاف كان أكبر، وما كان لهذا الشغف أن يستمر لولا دعم عائلتي ومساندتهم المستمرة، التي منحتني القوة والثقة لمواجهة كل العقبات.
تسلحتُ بمنهجيات علمية دقيقة وأدوات متطورة، بما في ذلك الكاميرات الفخية، وأجهزة رصد الخفافيش المتخصصة، وتقنيات تتبع الأثر التي كشفت عن مسارات لم تُعرف بعد. توالت الجولات الصباحية والمسائية، كل منها حمل معه مفاجآت جديدة وبيانات غير مسبوقة، جمعتها بتأنٍ من قلب هذا الموقع الجديد.
كانت النتائج مذهلة بكل المقاييس. أظهرت الدراسة أن وادي “الغرّين” يضم أكثر من سبعين نوعًا من الكائنات الحية، بعضها مصنّف ضمن الأنواع المهددة بالانقراض على المستويين المحلي والعالمي. لقد كان اكتشافًا يؤكد الأهمية البيئية الفائقة لهذا الموقع.
شاهدت تحليق طيور نادرة مثل العقاب الأسود ومطرقي الرأس، واستمعت إلى نغمات بومة الأشجار العربية، بينما كانت طيور الحجل والقطا تتراقص في الأفق. ولم تغب الحمامة الخضراء بجمال ريشها المميز عن المشهد، محلّقة بين الأغصان في هدوء مدهش. وعلى اليابسة، رصدنا ثدييات مثيرة للاهتمام كغرير العسل، والذئب العربي المهيب، والضبع، والنيص بصفاته الفريدة ، بالإضافة إلى الوبر الصخري الذي يتكيف ببراعة مع بيئته. ولم يقتصر التنوع على الكائنات الكبيرة، فقد وثقنا أنواعًا من القوارض، منها الجرذ الملك والخفافيش والقنافذ كالقنفذ الإثيوبي.
أمَّا عالم الزواحف، فكان له حضوره البارز، حيث سجلنا وجود الكوبرا العربية وأفعى السجاد الشرقي والأسود الخبيث والوحر مقرن الحراشف. وفي مياه الغرّين العذبة، كان الاكتشاف الأكثر إثارة هو توثيق سمكة Garra buettikeri، وهي سمكة مهددة بالانقراض عالميًا، وهو ما يؤكد أهمية هذه المسطحات المائية. كما تم تسجيل جديد للبرمائيات، وهو الضفدع الرشيق، بالإضافة إلى كائنات لافقارية، مثل: العقارب الصفراء، والعناكب، والرعاشات، والعلقة الطبية، التي تعكس تعقيد هذا النظام البيئي وتكامله.
ولم تكن الحياة الحيوانية وحدها ما يثير الإعجاب، فقد كشفت الدراسة عن تنوع نباتي غني يشمل أشجار السدر والسمر والطلح والغلثى، وهي عناصر أساسية تدعم هذه الشبكة المعقدة من الحياة الفطرية وتؤكد الدور المحوري للنباتات في دعم التنوع الأحيائي.
حماية المستقبل
بناءً على هذه الاكتشافات، من الضروري استمرار الدراسات الميدانية ومراقبة صحة الأنواع وتطور النظم البيئية، والحد من الأنشطة ذات التأثير السلبي، مثل: الرعي الجائر، والاحتطاب، والصيد. وأهم من ذلك، دعم البحث العلمي في هذه المناطق، وتعزيز دور المجتمع المحلي في جهود التوعية البيئية. فالمستقبل المستدام لهذا الكنز الطبيعي يعتمد على وعينا وتعاوننا المشترك.
إنجاز وطني بتأثير عالمي
إن اكتشاف “الغرّين” ليس مجرد إنجاز علمي على المستوى الوطني، بل هو نموذج حي لإمكانيات البحث العلمي في المملكة. إنه يؤكد، بوضوح، الأهمية الحيوية للأراضي الرطبة في المملكة العربية السعودية كبيئات طبيعية تسهم بشكل فعال في حماية التنوع الأحيائي على المستويين المحلي والعالمي. هذه الاكتشافات تضع وادي “الغرّين” على الخريطة كمنطقة ذات أولوية للحفظ والدراسة، وتسهم في رفع الوعي الدولي بأهمية النظم البيئية في شبه الجزيرة العربية. إنها تلهمنا لمواصلة استكشاف وحماية ثرواتنا الطبيعية للأجيال القادمة، وتدعم المساعي الوطنية لتحقيق رؤية السعودية 2030 في مجال الاستدامة البيئية.
في وادي الغرّين اكتشفنا تنوعًا أحيائيًا مدهشًا، يؤكد أن استكشاف الطبيعة هو طريقنا لحماية المستقبل.

الكائنات وتصنيفاتها
ثراء وتكامل نظام بيئي فريد يضم مجموعة واسعة من الكائنات الحية من أبرزها التالي:
الطيور
- العقاب الأسود
- مطرقي الرأس
- بومة الأشجار العربية
- طيور الحجل
- طيور رفراف أرمد الرأس
الثدييات
- غرير العسل
- الذئب العربي المهيب
- الضبع المخطط
- الوبر الصخري
- النيص
- الجرذ الملك
- القنفذ الإثيوبي
- خفاش آكل الثمار الإثيوبي
الزواحف
- الكوبرا العربية
- أفعى السجاد الشرقي
- الوحر مقرن الحراشف
- الأسود الخبيث
الأسماك
- سمكة Garra buettikeri مهددة بالانقراض عالميًا
البرمائيات
- الضفدع الرشيق (تسجيل موقع جديد)
اللافقاريات
- العقارب الصفراء
- العناكب
- الرعاشات
- العلقة الطبية
النباتات
- السدر
- السمر
- الطلح
- الغلثى
