أمين نجيب
لم يكن اختفاء الأسد من الجزيرة العربية مجرد انقراض لحيوان مهيب، بل غياب لحجر الزاوية لمنظومة بيئية كاملة. فعلى امتداد آلاف السنين، كان وجوده يعكس توازنًا دقيقًا بين مفترس وفرائسه، وبين النبات والأرض والمناخ. وحين اختفى في أواخر القرن التاسع عشر، لم تُفقد صورة “ملك الغابة” فحسب، بل فُقد عنصر تنظيمي في قمة الهرم الغذائي.
غير أن قصة الحياة الفطرية في الجزيرة العربية لا تسير في اتجاه واحد. ففي الوقت الذي طُويت فيه صفحة الأسد، بدأت صفحة أخرى تُكتب؛ صفحة المها العربية، التي عادت من حافة الفناء لتصبح إحدى أنجح قصص الإحياء البيئي عالميًا. بين هاتين الحكايتين، اختفاء مفترس أعلى وإنقاذ عاشب صحراوي، تتكشف أسئلة عميقة عن دور الإنسان في الانقراض والإنقاذ.
لم يكن الأسد العربي نوعًا مستقلًا، بل جزءًا من السلالة الشمالية للأسود (Panthera leo leo) وفق التقسيم المعتمد من الاتحاد الدولي لصون الطبيعة منذ 2017م، الذي يقسّم الأسود إلى سلالتين رئيستين: سلالة شمالية (غرب/ شمال إفريقيا – الهند)، وسلالة جنوبية/ شرقية (IUCN Red List). امتد وجود السلالة الشمالية تاريخيًا إلى بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية، بينما يمثّل الأسد الآسيوي في الهند آخر تجمع حيّ لها.
تُظهر الدراسات الجينية أن الأسود في غرب إفريقيا والهند أقرب إلى بعضها من قربها لأسود شرق إفريقيا، مما يشير إلى عزلٍ تطوري سببه تغيرات مناخية قديمة. كما تُسجَّل فروق مورفولوجية، منها قِصر وقلة كثافة اللبدة، ووجود طيّة جلدية بطنية أوضح في الأسود الآسيوية مقارنةً بكثير من الأسود الإفريقية (Smithsonian National Zoo).
مفترس أعلى وصانع توازن
لم يكن وجود الأسد في أجزاء من شبه الجزيرة العربية مجرد حضور لحيوان كبير، بل كان عنصرًا تنظيميًا محوريًا في البنية البيئية. وهو يُصنَّف ضمن ما يُعرف في علم البيئة بـ”المفترس الأعلى” (Apex Predator)؛ أي الكائن الذي يتربع على قمة الشبكة الغذائية. هذا الموقع لا يمنحه الهيمنة فحسب، بل يحمّله وظيفة بيئية دقيقة تتمثل في ضبط توازن الشبكة الغذائية.
يمارس المفترس الأعلى ما يُعرف بـ”الضغط الافتراسي” على مستويات أدنى من السلسلة الغذائية، خصوصًا العواشب الكبيرة. في بيئات الجزيرة العربية شبه القاحلة، كان ذلك يشمل الغزلان والوعول وأنواعًا أخرى من الثدييات متوسطة إلى كبيرة الحجم. هذا الضغط لا يعني فقط تقليل أعداد الفرائس، بل التأثير في سلوكها أيضًا؛ إذ تميل الفرائس في وجود مفترس فعّال إلى تغيير أنماط الرعي والحركة وتجنّب مناطق معينة. يُسمّى هذا التأثير السلوكي أحيانًا “مناطق الخوف” (Landscape of Fear)؛ حيث يعيد المفترس تشكيل توزيع الكائنات في المكان دون أن يصطادها جميعًا.
ينعكس ذلك مباشرة على الغطاء النباتي. فعندما تُضبط أعداد العواشب أو تُقيَّد حركتها، تتاح للنباتات فرصة للنمو والتجدد، وهو ما يعزّز استقرار التربة ويقلل من التعرية، ولا سيَّما في البيئات الهشة وشبه الصحراوية. تُعرف هذه العملية في الأدبيات البيئية باسم “الشلال الغذائي” (Trophic Cascade)؛ إذ يمتد تأثير المفترس من أعلى الهرم الغذائي إلى قاعدته النباتية. وقد أظهرت دراسات عالمية أن اختفاء المفترسات الأعلى قد يؤدي إلى انفجار أعداد العواشب، يتبعه تدهورٌ نباتي، ثم تغيّرٌ في تركيب المجتمع الحيوي بأسره.
في سياق الجزيرة العربية، يُرجّح أن غياب الأسد أسهم في اختلالات تدريجية في ديناميات العواشب، ولا سيَّما مع تزامن ذلك مع ضغوط بشرية متزايدة كالرعي المكثف والصيد وفقدان الموائل. ومع أن التغيرات البيئية لا تُعزى إلى عامل واحد، فإن إزالة المفترس الأعلى تُعدّ من العوامل المعروفة بتسريع التحولات في النظم البيئية.
انقرض الأسد من الجزيرة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين نتيجة تراكم الصيد المباشر، وتقلّص الموائل، وتراجع الفرائس. ولم يكن الانقراض نتيجة وباء مفاجئ أو كارثة طبيعية، بل كان مسارًا تدريجيًا لضغوط بشرية ممتدة. ومنذ ذلك الحين، افتقدت البيئات المحلية هذا العنصر المنظِّم في قمة الهرم الغذائي.
أمَّا مسألة إعادة توطينه اليوم، فتواجه تحديات بيئية واجتماعية معقدة. يحتاج مفترس بحجم الأسد إلى مساحات شاسعة متصلة، وقاعدة فرائس مستقرة، وأطر قانونية وإدارية لإدارة التفاعل مع المجتمعات المحلية. كما يتطلب قبولًا اجتماعيًا واستعدادًا لتحمّل تبعات وجود مفترس كبير في مشهد بيئي بات مجزّأً. لذلك، لا توجد خطط عملية لإعادته حاليًا، لكن فهم دوره السابق يظل ضروريًا لتقدير الوظائف البيئية التي فُقدت بغيابه، ولإدارة النظم الطبيعية المتبقية بمنظور أشمل لديناميات السلسلة الغذائية.