[issue-single-data]

جمعية حماية الطيور.. ريادة مجتمعية تحلّق لحماية الأجنحة الطائرة

جمعية حماية الطيور.. ريادة مجتمعية تحلّق لحماية الأجنحة الطائرة

  • ترصد الأنواع وتسعى لبيئة مثالية للطيور
  • وضعت معايير قياسية لحماية الموائل الطبيعية
  • تعمل على توعية المجتمع ومتخذي القرار بأهمية حماية الطيور وموائلها الطبيعية

اختلفت نظرة البشر للطيور، وقد سادت نظرة من التشاؤم والسلبية على بعضها، ونظرة إيجابية على بعضها الآخر. كما ارتبط بعضها بالحظ السعيد، والبعض الآخر بالحكمة، فيما ارتبط بعضها بالعدوانية، وآخر بالمودة، وثالث صُنّف كطائر مهرج.
وكان الغراب المعلم الأول لبني البشر، والحمامة رمزًا للسلام مع غصن الزيتون. وقد أولت بعض الدول أهمية كبرى للطيور فجعلت من بعضها رمزًا وطنيًا كطائر الكيوي الذي يرمز إلى نيوزلندا، حتى إنه يشار إلى المواطن النيوزلندي باسم الكيوي. كما جعلت الولايات المتحدة الأمريكية من النسر الأمريكي رمزًا وطنيًا أيضًا.
ولطالما اختلفت علاقة الإنسان بالطائر، فكان الغذاء حينًا، وصيادًا حينًا آخر. ومنذ فجر التاريخ كانت هذه العلاقة الوطيدة مع الطائر، كعلاقة الجندي بالقائد، يطلقه ليصطاد به بني جنسه، أو يصطاد به حيوانات أخرى.
اليوم، نحن أمام علاقة من نوع آخر بين بني البشر وبين الطيور تتمثّل في حماية البشر لهذه المخلوقات الوادعة من الأخطار المختلفة المحدقة.


التأسيس
كان الثامن عشر من شهر ذي الحجة لعام 1444هـ، يومًا مشهودًا للمهتمين بحماية الطيور في المملكة العربية السعودية، فقد باركت وزارة البيئة والمياه والزراعة والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية ميلاد “جمعية حماية الطيور” التي اُنتخب أعضاء مجلس إدارتها وصدرت الموافقة على اللائحة الأساسية لها، وعُيّن عبدالله السحيباني، أحد أشهر المهتمين بالطيور منذ عشرات السنين، رئيسًا لها.
أعدت الجمعية خططها التشغيلية والتنفيذية، على أن يتم اقتصار عضويتها على المهتمين فعليًا بحماية الطيور ورصدها وإنمائها، وتقديم الخدمات الملموسة للحفاظ عليها.
وللجمعية الوليدة رؤية واضحة تتمثّل في مجموعة من الأنشطة والبرامج المستدامة، إضافةً إلى ريادتها المجتمعية ورسالتها الراسخة في حماية الطيور والحفاظ على موائلها الطبيعية، وتطوير البرامج التوعوية، وتدريب ومشاركة المجتمع ثقافة حماية الطيور وموائلها، وتوثيق الأعمال التطوعية والعلمية، لمساندة جهود حماية الطيور في المملكة العربية السعودية.


المبادرات الأساسية
لقد حددت “جمعية حماية الطيور السعودية” سبع مبادرات تعمل على تنفيذها، وهي:
الأولى: إعداد وتنفيذ البرامج التوعوية المتعلقة بأهمية حماية الطيور وموائلها الطبيعية.
الثانية: مشاركة الدراسات والأبحاث والمعلومات الخاصة بالطيور.
الثالثة: توثيق ورصد مشاهدات الطيور في المملكة، وتطوير خطط السياحة المستدامة المتعلقة بمراقبة الطيور ومتابعتها.
الرابعة: إعداد وتنفيذ برامج تدريبية لأعضاء الجمعية والمختصين في دراسة وإنقاذ وحماية الطيور وموائلها في المملكة.
الخامسة: عقد الندوات والمعارض وورش العمل الخاصة بحماية الطيور وموائلها في المملكة.
السادسة: حصر ودراسة الموائل والمناطق المهمة للطيور في المملكة وإعادة تأهيل المتضرر منها.
السابعة: العمل على تنفيذ برامج تحجيل الطيور في المملكة.
التعريف بالطيور وأهميتها
تولّى القائمون على الجمعية، منذ انطلاقتها، مسؤولية التعريف الشامل بالطيور وأهمية وجودها، وكذلك التعريف بموائلها وأهمية الحفاظ عليها، كأحد أهم أهداف وأولويات الجمعية، ذلك أن هناك أكثر من 10 آلاف نوع من الطيور حول العالم، وتختلف هذه الأنواع باختلاف بيئاتها وتنوعها من طائر الطّنان الصغير حتى طائر النعام الضخم، ومن الطيور المفترسة إلى الطيور الوديعة، ومن الطيور المهرجة إلى الطيور الشرسة، ومن الطيور الضعيفة إلى الطيور القوية، ومن الطيور الليلية إلى الطيور النهارية. وهناك قائمة طويلة بالطيور، حيث يعاني %10 منها حول العالم من تهديدات الانقراض، و%70 منها تموت صغارها مبكرًا.
وتقدم الطيور حلولًا عملية لبعض المشكلات البيئية، مثل: مكافحة القوارض، والتخلّص من الحيوانات النافقة في أطراف المدن والقرى، ونقل البذور واللقاح من مكان لآخر، والتخلص من بلايين الأطنان من الحشرات والآفات الزراعية، وهي بذلك تغني عن استخدام المبيدات الكيميائية، فضلًا عن أدوارها في التوازن البيئي برًا وبحرًا.


الاهتمام
مراقبة الطيور إحدى الهوايات المحببة لكثير من الناس في جميع أنحاء العالم، ولقد أصبحت هذه الهواية مصدر دخل كبير في العديد من دول العالم، وقدّرت الإحصائيات وجود حوالي 200 مليون مراقب طيور حول العالم، منهم نحو 100 مليون مراقب نشط يقوم بالترحال حول العالم بهدف مشاهدة الطيور في مناطقها الطبيعية.
وتعقد “جمعية حماية الطيور” الآمال في أن تسهم جهودها وأنشطتها وبرامجها في توعية المجتمع ومتخذي القرار، بالأهمية الحيوية للطيور في التوازن البيئي، والحفاظ على صحة الأنظمة البيئية، ذلك أن أي تغيّر في أعداد الطيور يشير إلى تغيرات بيئية ومناخية، ويشير أيضًا إلى وجود تلوث أو مشكلة بيئية معينة.
وللطيور حضور لافت، وجمال أخّاذ، وروعة وإلهام، يبعث على دراستها، والاعتزاز بوجودها، ويدفع بحمايتها وحماية موائلها من المشكلات والأخطارـ وبالأخص التي تهدد حياة الطيور وتعرضهم للخطر.

التنوع
نظرًا لما تتمتع به المملكة العربية السعودية من موقع جغرافي هام ومميز، يتوسط ثلاث قارات (إفريقيا، وأوروبا، وآسـيا)، فضلًا عمَّا تملكه المملكة من تنوع جيولوجي كبير وبيئات طبيعية متعددة، فقد أهّلها كل ذلك لأن تحظى بتفرد خاص كمنطقة عبور لأنواع مختلفة من الطيور حول العالم، مهاجرة من آسيا وأوروبا إلى إفريقيا، حيث تعبر أراضي المملكة ملايين من الطيور. ويأتي تأسيس هذه الجمعية، لتحقيق مستهدفات الحماية والاستدامة، والمحافظة على الطيور وموائلها الطبيعية، فهي تشاركنا العيش على هذه الأرض المباركة، وعلى هذا الكوكب، وتسهم بدور كبير في الحفاظ على التوازن البيئي، ولا سيَّما إذا علمنا أن تعداد أنواع الطيور المسجلة رسميًا في المملكة يبلغ حوالي 551 نوعًا، تضم بعضًا مـن أجـمـل الطيور، وأكثرها سحرًا وغرابة وهجرة وندرة وضآلة وضخامة وسرعة.
ومن بين تلك الأنواع حوالي 280 نوعًا متكاثرًا عابرًا لأراضي المملكة، وحوالي 220 نوعًا متكاثرًا معششًا ومتوطنًا في المملكة. وبينها ما هو نادر، حيث إن 14 نوعًا متوطنًا في شبه الجزيرة العربية، نوع وحيد متوطن في المملكة وهو العقعق العسيري (Pica asirensis). ومن بين هذه الأنواع حوالي 28 نوعًا مصنفة ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) كأنواع مهددة بالانقراض عالميًا.
وفي ظـل الظروف البيئية والمناخية المتطرفة التي تمر بها بعض أراضي المملكة خلال فصلي الشتاء والصيف، فإن نحو 27 مليون زوج مـن الـطـيـور تتكاثر سنويًا فـي المملكة، إمَّا لقضاء فصل الشتاء، أو لعبور أراضيها فـي رحلات طويلة، وهو ما يمثّل تجسيدًا مثاليًا لمفهوم المثابرة والإصرار.

ومن ضمن الطيور النادرة طائر “العقعق العسيري”، الذي يُعدُّ من أندر الطيور في العالم، فلا يوجد منه حاليًا سوى 100 زوج تقريبًا (200 فردًا بالغًا)، جميعها متوطن في منطقة عسير بالمملكة العربية السعودية.


التهديدات
تعد المناطق الصحراوية في شبه الجزيرة العربية واحدة من النُُظم البيئية المعقّدة، وهي حساسة بشكل كبير للتغيرات البيئية والمناخية التي قد تطرأ عليها. ومن تلك التغيرات ما هو طبيعي مثل الأعاصير والفيضانات والجفاف وغيرها من العوامل الطبيعية، وهناك ما هو غير طبيعي يحدثه الإنسان. وأي تأثير على أحد مكونات النُظم البيئية، يؤثر في النُظم البيئية كلها. فغياب الغطاء النباتي من جراء الرعي الجائر و الاحتطاب يمكن أن يؤدي إلى نقص الحشرات، الذي يسبب بدوره نقصًا في أعداد الطيور والتنوع الأحيائي بشكل عام، فضلًا عن تأثير ذلك على الإنسان.
ومن أهم المشكلات التي تواجه الطيور في المملكة والعالم تدمير مناطق تكاثرها وتغذيتها، إلى جانب الصيد الجائر، والتلوث البري والبحري. وتعدُّ نفايات البلاستك من أكثر الأخطار التي تواجه الطيور البرية والبحرية على حدٍّ سواء، فهذه المواد تدخل ضمن المواد التي يتناولها الطائر اعتقادًا منه بأنها حبوب أو بيض أو أسماك.
ومن هنا، يأتي دور “جمعية حماية الطيور السعودية” في تنمية الوعي البيئي المجتمعي لحماية الطيور وموائلها الطبيعية في البيئة المحلية بمختلف تنوعها الأحيائي.

الأخطار
توضح “جمعية حماية الطيور السعودية” أن الأخطار التي تواجه الطيور في المملكة العربية السعودية سببها الإنسان، سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل: الإزعاج البشري للطيور في مناطق التعشيش، والصيد الجائر، وجمع البيض، وتدهور مناطق التكاثر ومناطق التغذية، من جراء التوسع العمراني والزراعي، إضافةً إلى التلوث والصيد الجائر للأسماك، والرعي الجائر، والاصطدام بالخطوط والأسلاك الكهربائية والتكهرب، فضلًا عن وجود أنواع دخيلة تسهم في الإضرار بالأنواع المتوطنة.


الموائل
لا تقتصر موائل الطيور على اليابسة فحسب، بل تمتد موائلها في الأنهار والبحار والمحيطات، وتُراوح مساحتها من قطعة صغيرة من الأراضي اليابسة أو الرطبة إلى مناطق شاسعة، وغالبًا لا تتمتع المناطق الهامة للطيور والتنوع الأحيائي بوضع قانوني، حيث تكون خارج المناطق المحمية أو المتنزهات الوطنية.

وتهدف “جمعية حماية الطيور السعودية” إلى تسليط الضوء على المناطق التي تشكل أهمية للطيور، وتشجيع جهود الحفاظ عليها، حيث يتم تحديد تلك المناطق باستخدام معايير قياسية، مثل حالة الأنواع وأعدادها ووضعها، سواء كانت مقيمة أو مهاجرة أو نادرة أو مهدد بالانقراض. فإذا تم – على سبيل المثال – تسجيل نوع من الطيور مهدد بالانقراض بانتظام في مجموعات كبيرة داخل منطقة التكاثر أو الهجرة، فقد تكون المنطقة مؤهلة لتُصبح من الموائل المهمة للطيور.
وغالبًا ما يتم تصنيف المناطق المهمة للطيور بناءً على حجم تلك المنطقة وأهميتها، فبعضها مهم على المستوى الوطني؛ لأنه يدعم الأنواع المحلية المعرضة للخطر. في حين تحظى بعض المناطق بأهمية قصوى على المستوى القاري والعالمي؛ لأنها تدعم عددًا كبيرًا من الأنواع المختلفة في العالم. ومن خلال حماية الموائل التي تستخدمها الطيور للراحة أو التكاثر، تساعد إجراءات الحماية لهذه المناطق في الحفاظ على أعداد الطيور والأنواع المهددة بالانقراض.

برنامج رصد وتوثيق تسجيل الطيور بالمملكة
برنامج رصد وتوثيق تسجيل الطيور في المملكة العربية السعودية يُعدُّ من المبادرات المهمة في مجال الحفاظ على البيئة وحماية التنوع الأحيائي. يهدف هذا البرنامج إلى جمع البيانات حول أنواع الطيور الموجودة في المملكة، وتوثيق حضورها وتوزيعها، ومراقبة صحتها وبيئاتها الطبيعية.


مشروع دراسة تغيرات الطيور في المحميات الطبيعية في منطقة الأحساء
يهدف إلى دراسة التغيرات التي تطرأ على أعداد وأنواع الطيور داخل المحميات الطبيعية، مع رصد العوامل البيئية التي تؤثر في سلوك الطيور وتوزيعها. يمثّل هذا المشروع تعاونًا بين جامعة الملك فيصل وجمعية حماية الطيور، ويعدُّ خطوة أساسية لتعزيز حماية التنوع الأحيائي ودعم استدامة الأنظمة البيئية في المنطقة.
مشروع تحجيل الطيور
وهو مبادرة تعاونية بين المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية وجمعية حماية الطيور، ويهدف إلى حماية ورصد الطيور في المملكة العربية السعودية عبر وضع حلقات تعريفية (أو تحجيل) على الطيور البرية.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد