- يعيش حوت برايد في المياه الاستوائية وشبه الاستوائية والمعتدلة الدافئة حول العالم
- يُعدُّ وجوده مؤشرًا على صحة النظام البيئي الذي يعيش فيه
عِلم الحيتانيات جديد نسبيًا في المنطقة العربية، حيث تعود ملاحظات الحيتانيات في المياه قبالة شبه الجزيرة العربية إلى أواخر القرن التاسع عشر، كما تشير معظم السجلات الحديثة إلى ملاحظات أُجريت خلال العقدين أو الثلاثة الماضية. ولذلك، لا تزال التقارير المنشورة عن الحيتانيات قليلة.
في المياه قبالة شبه الجزيرة العربية توجد أربعة أنواع من حيتان البالين و18 نوعًا من الحيتان المُسنّنة، التي تتضمن الحيتان والدلافين وخنزير البحر. ومع ذلك، قد توجد أنواع أخرى في المنطقة، ولا سيَّما في المياه البحرية التي نادرًا ما تُجرى عليها مسوحات. ومن بين حيتان البالين التي أُكِّد وجودها في المنطقة، حوت برايد، وحوت المحيط الهندي الأزرق، وحوت أومورا، والحوت الأحدب.
حيتان برايد أو بريدي
تُنسب حيتان برايد إلى الحيتان البالينية وتفضّل المياه الدافئة. غير أنه لا تزال معرفة العلماء بهذه الحيتان محدودة مقارنةً بما يعرفونه عن الأنواع الأخرى، خاصة الحوت الأحدب في المياه قبالة شبه الجزيرة العربية.
ذلك أن نسبة حيتان برايد إلى الحيتان الاستوائية، ما هو إلا توصيف لتفضيلها المياه التي تبلغ درجة حرارتها 20 درجة مئوية فأعلى. ولهذا، توجد الحيتان في كل المياه القريبة من الشاطئ وفي المياه المفتوحة بين خطي عرض 40 درجة جنوبًا و40 درجة شمالًا.
أمَّا نسبتها إلى الحيتان البالينية، فما هو إلا توصيف آخر حول وجود الصفائح البالينية التي يستخدمها الحوت لتصفية الماء
والإبقاء على الطعام. هذه الحيتان لا تنمو لها أسنان إلا في المرحلة الجنينية، ويندرج تحت هذه التسمية حوالي 15 نوعًا من الحيتان.
سابقًا كان هناك خلط بين حيتان برايد وحيتان ساي، وهي حيتان أكبر حجمًا من حيتان برايد، وتنتشر جغرافيًا في الأماكن المعتدلة وشبه القطبية. ويحدث المزيد من الارتباك حول حيتان برايد بسبب وجود نوعين من هذه الحيتان، التي صُنِّفت على أنها نوعان فرعيان بنطاقات متداخلة جزئيًا.
الأول هو حوت عدن (Balaenoptera edeni) الذي يعدُّ أصغر حجمًا. أمَّا الثاني، فهو حوت أومورا (Balaenoptera omurai). ويتداخل نطاق انتشار حوت برايد مع هذين النوعين، ويعمل علماء التصنيف وعلماء الوراثة والباحثون
الميدانيون على فهم هذه المجموعة من الأنواع بشكل أفضل. غير أن الخلط وارد بين حيتان برايد والحيتان الأخرى، مثل: حوت برايد، وحوت المحيط الهندي الأزرق، وحوت أومورا، والحوت الأحدب، وحوت الساي. فعلى الرغم من لونها الفريد وحجمها الكبير خلافًا عن حوت برايد، فإن التمييز بين حيتان برايد وحيتان الساي وحيتان أومورا أمر صعب جدًّا. ومن المعروف أن الأدبيات العلمية السابقة وسجلات صيد الحيتان تحتوي على عدد من التعريفات الخاطئة. ومع أن رأس حوت برايد مسطح إلى حدٍّ ما، فإن فك حوت الساي أو منقاره مائل قليلًا إلى الأسفل.
يتميز حوت برايد بأنه من أنواع الحيتان متوسطة الحجم، وجسمه طويل انسيابي، ولونه رمادي مائل إلى الأزرق. وتوجد ثلاثة نتوءات أو تلال متوازية ممتدة من فتحة النفخ إلى طرف المنقار بشكل بارز على قمة الرأس تُميّزه عن غيره من الحيتان. وهي ميزة لا توجد لدى حوت الساي والحيتان الأخرى التي تتميز بحافة مركزية واحدة. كما يتميز بزعنفة ظهرية منحنية على شكل أشبه بالمنجل، وذيل عريض يشكِّل جزءًا كبيرًا من جسم الحوت.
ويُعرف حوت برايد بسلوكه الخفي وحركته السريعة، وغالبًا ما يُشاهد منفردًا أو في مجموعات صغيرة. ويُعدُّ وجوده مؤشرًا على صحة النظام البيئي الذي يعيش فيه.

طرق دراسة حيتان برايد
تُعدُّ حالات جنوح الحيتان في المياه قبالة شبه الجزيرة العربية، الطريقة الوحيدة للحصول على عينات هيكلية للحيتان الكبيرة، نظرًا لكونها من المناطق التي لا يُمارس فيها صيد الحيتان. ومع ذلك، لا تُجمع العينات دائمًا من جميع الحيتان العالقة، وذلك بسبب التكلفة العالية للتنظيف وإعداد وصيانة هذه العينات الهيكلية، فضلًا عن صعوبة تأمين مساحة التخزين. لذا، فإن عدد العينات الهيكلية ذات القيمة العلمية المتاحة للبحث الأكاديمي محدود جدًا.
ففي أوائل عام 2014، جنح حوت من نوع “باليني” في جزيرة فيلكا بالكويت، ودُفِن بعد أن فحصه علماء محليّون. وبعد حوالي تسعة أشهر، وبناءً على طلب من معهد علمي كويتي، تمَّ استخراج جثة الحوت مؤقتًا للتحقق من حالتها وإجراء بحث أولي حول قياسات الهيكل العظمي وصنع عينة هيكلية من قِبل باحثين يابانيين. وتُعدُّ البيانات التي تمَّ الحصول عليها من الفحص الموجز قيّمة لفهم بيئة حوت برايد بشكل أعمق.
التوزيع
على الرغم من تفضيل حيتان برايد للمياه التي تزيد درجة حرارتها على 20 درجة مئوية، وتمركزها في خطوط العرض بين 40 درجة جنوبًا و40 درجة شمالًا، فقد وثِّقت بعض التنقلات الموسمية بين المياه الدافئة والباردة لبعض الأنواع. وقد لُوحِظ وجود أنواع أخرى على مدار العام في المياه الساحلية الاستوائية أو شبه الاستوائية، حيث يمكن العثور عليها ومشاهدتها بالقرب من الشاطئ أو في عرض البحر؛ وذلك لكونها تميل إلى الارتباط بالمناطق ذات الإنتاجية العالية، مثل مناطق ارتفاع مستوى المياه.
تنتشر حيتان برايد في أقاليم وبلدان كثيرة، مثل: الأمريكيتين، وأوروبا، وإفريقيا، وأستراليا، وجزر البهاما، والمحيطين الهندي والهادئ، وبحر العرب، والبحر الأحمر، والخليج العربي، وبحر الصين، والبحر الأبيض المتوسط.
التغذية
تتغذَّى حيتان برايد بشكل رئيسي على أسماك السرب، مثل السردين والأنشوجة والماكريل والرنجة. كما تتغذَّى على القشريات، مثل: الكريل والسرطان. فوجود هذه الحيتان في المناطق الاستوائية أو شبه الاستوائية يوفر لها إنتاجية عالية من الغذاء، وبخاصة في مناطق ارتفاع المياه قبالة سواحل البرازيل، وجنوب إفريقيا، وبحر العرب. ففي بحر العرب تؤدي التقلبات الموسمية إلى رفع مستويات المغذيات إلى المياه الساحلية والبحرية، وهو ما يؤدي إلى وفرة الغذاء ويسمح للحيتان بالتغذية، خاصةً الحيتان الحدباء التي تُوجد على مدار العام في هذه المنطقة، بالإضافة إلى حوت برايد الذي يعدُّ من الحيتان المقيمة قبالة سواحل عُمان وبحر العرب. غير أن البيانات المتعلقة بهذا النوع وغيره من أنواع الحيتان البالينية في المنطقة محدود بشكل عام.
تتغذَّى هذه الحيتان عن طريق الاندفاع، ويمكن رؤيتها وهي تندفع عبر سرب كثيف من الأسماك بفم مفتوح وطيات حلق ممتدة. وغالبًا ما تشارك هذا الحوت في فعاليات التغذية أنواع أخرى من الكائنات، مثل طيور الأطيش والدلافين والفقمات وأسماك القرش.
سلوك التكاثر
عادةً ما تُرى حيتان برايد بمفردها أو في مجموعات لا تزيد على ثلاثة. ومع ذلك، يمكن ملاحظة تجمعات أكبر تصل إلى عشرين في مناطق التغذية الرئيسية. وتُظهر بيانات صيد الحيتان أن الحمل والولادة في بعض تجمعات حيتان برايد البحرية يحدثان في أشهر الشتاء. غير أن أي قيود موسمية على تزاوجها وولادتها لم تُلاحَظ في التجمعات الساحلية لحيتان برايد في جنوب إفريقيا .
يستمر الحمل نحو 11 شهرًا، ويُعتقد أن العجول تبقى مع أمهاتها حتى تُفطم عندما تبلغ من العمر 6 – 7 أشهر. والأنثى قادرة على إنجاب عجل واحد كل عامين.
التهديدات
منذ توقُّف صيد الحيتان التجاري، لا تتوافر معلومات كافية عن التهديدات الحالية لحيتان برايد. ومن المرجح أن حوادث اصطدام هذه الحيتان بالسفن ووقوعها في شباك الصيد تُمثّل أحد الأخطار التي تهدد حياتها. فقد سُجّلت حالات اصطدام في بحر العرب وفي جنوب إفريقيا، وكذلك وُثّق وقوع هذه الحيتان في شباك الصيد الكيسية المخصصة لصيد أسماك التونة؛ وذلك لكون هذه الحيتان تتغذَّى على نفس الأسماك الصغيرة التي تتغذَّى عليها أسماك التونة، ولا يُعرف ما إذا كان هذا الارتباط يؤدي إلى معدلات نفوق عالية أم لا.
وفيما يتعلق بالمفترسات لا توجد معلومات موثوقة عن الحيوانات المفترسة الطبيعية لحيتان برايد. لكن يُعتقد أن الحيتان القاتلة هي الوحيدة القادرة على افتراس هذه الحيتان وصغارها، نظرًا لضخامتها وقوتها.
أمَّا فيما يخص التهديدات الوبائية المتعلقة بالأمراض والإصابات الطفيلية المهددة لحياة هذه الحيتان، فلا يوجد أي معلومات يمكن الاعتماد عليها.
حالة الحفظ
يُعتقد أن معظم أعداد حيتان برايد سليمة نسبيًا. وعلى الرغم من أن الخلط القديم بين الأنواع قد يعني أن بعض الصيد المُسجَّل على أنه حيتان ساي ربَّما كان في الواقع حيتان برايد، إلا أن حيتان برايد لم تكن مستهدفة بشكل كبير للصيد التجاري. ويعود ذلك جزئيًا إلى انتشارها الاستوائي خارج مناطق صيد الحيتان الأكثر شيوعًا في خطوط العرض العليًا، ومن جهة أخرى، لكونها أصغر حجمًا وأقل شهية أو ربحًا من الأنواع الأكبر حجمًا التي تنتج المزيد من الزيت واللحوم.
لكن لا يزال عدد محدود من حيتان برايد يُصطاد في شمال غرب المحيط الهادئ سنويًا إلى جانب أنواع أخرى من الحيتان، بموجب برنامج بحوث تشرف عليه اليابان.
إن الخلط التاريخي بين حيتان برايد وحيتان الساي، إضافة إلى استمرار عدم الوضوح بشأن الوضع التصنيفي لتجمعات حيتان برايد حول العالم، جعل من الصعب تقدير أعداد هذا النوع من الحيتان. ومع ذلك، منذ عام 2018، يُعدُّ حوت برايد أقل أنواع الحيتان المهددة بالانقراض في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة. ولهذا، فهو مُدرج في الملحق الثاني لاتفاقية الأنواع المهاجرة (CMS)، والملحق الأول لاتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض (CITES).
مشاهدة الحيتان
لا تُعدُّ حيتان برايد غالبًا الهدف الرئيسي لجولات مشاهدة الحيتان نظرًا لطبيعتها المراوغة. ومع ذلك، فهي توجد على مدار العام في العديد من المناطق الرئيسية لمشاهدة الحيتان، مثل: نيوزيلندا، وخليج تايلاند، والبرازيل، وقبالة سواحل جنوب إفريقيا؛ إذ تُصادف هذه الحيتان بانتظام، وتُصوَّر فوق وتحت الماء خلال “رحلة السردين” السنوية التي تجذب آلاف السياح للغوص لمشاهدة تجمعات الحيوانات البحرية المفترسة التي تتغذَّى عليها.