[issue-single-data]

سيدة الأساطير والرمزيات

سيدة الأساطير والرمزيات

  • حارسة الليل وحلقة التوازن في النظام البيئي
  • البومة الفرعونية وُجِدت قبل فرعون.. واستمرَّت في الطبيعة

سعد العريج

على مرِّ العصور لم يحظَ طائرٌ في الثقافة الإنسانية كما حظيت به البومة الفرعونية. وعلى الرغم من أنها سبقت في الوجود مختلف الحضارات الإنسانية بما فيها الفرعونية، فإن ارتباطها بالحضارة الفرعونية ونسبتها إلى الفراعنة في الألف الثالث قبل الميلاد، جعلها أيقونة في الثقافة الإنسانية.
طائر حظي بالاحترام والتقديس أحيانًا، وتبوأ مكانة رفيعة عند المصريين القدماء، حتى إنه حُنِّط أسوة بالملوك وكبار القادة وعِلّية القوم.
ولما تحظى به من تميز، رمزت البومة الفرعونية إلى حرف الميم في اللغة الهيروغليفية، ونُقشت صورتها على جدران المعابد، وربط المصريون بينها وبين الروح البشرية، فكانوا يعتقدون أن روح الميت تحل ليلًا في هذا الطائر.

وسجّلت هذه البومة حضورًا لافتًا في الثقافة الإنسانية، وارتبطت بأساطير ومعتقدات مختلفة عبر العصور في مختلف المدن والأمصار. وعلى غرار بقية أنواع البوم، ارتبطت عند أقوام بالموت والثأر والتشاؤم والخراب، وعند أقوام آخرين بالنحس وسوء الطالع والحظ العاثر. ورمزت عند آخرين إلى الغموض والحكمة والتفاؤل وحسن الطالع والحظ الطيب والنصر.


علميٌّ وثقافيٌّ
عُرفت البومة الفرعونية بأسماء عديدة، من بينها البوهة الصحراوية، وبومة القطرة. وقد تطور اسمها عند قدامى العرب من (وُو) و(فُوول) و(بول) وصولًا إلى (بوم فرعوني) أو (بوهة). أمَّا علميًا، فتُعرف باسم (Bubo ascalaphus)، كما تُعرف بالإنجليزية باسم (Pharaoh Eagle-owl).

وفي البيئة السعودية، تُعد من أكبر أنواع البوم، ويُراوح طولها بين 46 و50 سنتيمترًا. يبلغ وزن الذكر حوالي 1,900 جرام، بينما يصل وزن الأنثى إلى 2,300 جرام، وهو ما يجعلها من أكبر البوم في البيئة الصحراوية. ومع ذلك، فهي أصغر حجمًا من البومة المهابة أو البومة الحذرة الأوروبية.


بنت السلاسل الجبلية
تفضّل البومة الفرعونية السلاسل الجبلية الصخرية والأودية القاحلة، ذات المنحدرات الوعرة بين النتوءات الصخرية في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية. وتنتشر في التلال الصغيرة المعزولة، والمناطق الرملية المفتوحة، وتستوطن غالبًا الارتفاعات التي تقل عن 1,000 متر عن سطح البحر.

وفي المملكة، تُعَدُّ من الطيور المقيمة، التي تتكاثر وتنتشر بشكل واسع في مناطق كثيرة، وبالأخص في المناطق الوسطى؛ حيث يمكن رصد أزواج منها على النتوءات الجرانيتية المنعزلة، وكذلك في صحراء النفود الكبير في المنطقة الشرقية.
أمَّا في محمية الإمام سعود بن عبد العزيز الملكية، فقد جرى توثيق نشاط مميز لتكاثرها. وقدّرت أعداد الأزواج المتكاثرة سنويًا في المملكة بحوالي 2,200 زوج.


نظام غذائي
البومة من آكلات اللحوم المتخصصة، فهي تتغذّى – بشكلٍ رئيسٍ – على الثدييات الصغيرة، خاصة القوارض، إضافة إلى الطيور والزواحف واللافقاريات. وهي من الطيور الانتهازية، وقد تصطاد فرائس أكبر حجمًا، مثل: الأرانب البرية، والثعالب، والخفافيش، والعقارب.
وكغيرها من طيور البوم، يتركز نشاطها خلال الليل وعند الشفق. تتميز بسلوك انفرادي، فهي لا تُكوّن أسرابًا أو مجموعات. تُمارس الصيد من مجثم مرتفع، وتنقضّ على الفريسة من الأعلى بشكل مباشر. كما تقوم أيضًا – مثل سائر البوم – بتقليص بقايا الطعام غير المهضوم، كالعظام والشعر، وتبتلع فريستها كاملةً، ثم تقذف ما لا يُهضم.


سلوك التكاثر
تعتمد البومة الفرعونية على نظام تزاوج أحادي؛ فالذكر والأنثى يُشكلان زوجًا دائمًا يرتبط اجتماعيًا ووراثيًا مدى الحياة. وعلى العكس عن باقي الطيور، فالبومة لا تبني أعشاشًا معقدة، بل تضع الأنثى بيضها في أعشاش بدائية غير مبطّنة، على منحدرات أو شقوق صخرية، أو في نتوءات، أو تجاويف بين جذور الأشجار أو تحت الشجيرات، أو تستغل الأبنية غير المأهولة، أو تستغل أعشاش حيوانات أخرى مهجورة، حيث تتراكم داخل العش بقايا الفرائس وعظامها مع مرور الوقت.
تضع الأنثى عادة بين 1 – 4 بيضات، تحضنها دون أن تترك العش طوال فترة الحضانة، التي تستمر نحو شهر، بينما يتكفل الذكر بتوفير الغذاء للأنثى طوال هذه المدة. وبعد أن يفقس البيض يعيش الصغار معظم الوقت في العش نحو شهرين حتى يبدؤوا بالتسلق، وتقل الحاجة للرعاية الأبوية تدريجيًا.

في الثقافة الإنسانية
لم يلقَ كائن من التناقضات في الثقافة الإنسانية كما لقيت البومة. فقد سجّلت تناقضات غريبة ارتبطت بسمعتها في المجتمعات والقوميات الإنسانية، ودخلت ضمن الثقافات والأساطير، وارتبطت بالجوانب الروحية والميتافيزيقية، وأُحيطت بها رموزٌ ثقافية متباينة عبر التاريخ.
ففي الفولكلور العربي، سواء في الشرق الأوسط أو في شمال إفريقيا، ارتبط صوتها بنذير الشؤم أو بالسوء والشر، بل تذكر الآثار القديمة البومة باعتبارها علامة على مصيبة قادمة.
سُمِّيت البومة “سيدة الليل”. فعيناها الواسعتان بلونهما البرتقالي المُحمرّ، وقدرتها الفائقة على السمع والرؤية في الظلام، وحركة رأسها الذي يدور بشكل منفرج، وطيرانها الصامت، ونشاطها الليلي

المثير؛ كل هذه الصفات جعلت لها هيبة خاصة في النفوس. وقد أسهم ذلك في اعتقاد قدامى العرب أن لون عين البومة قادم من أشعة الشمس.
وقد اختزل ابن سيرين نظرة العرب إلى البومة من خلال تفسيره لمن يرى البومة في منامه، فقال: رؤيتها تدل على الخطر الشديد، وأن هناك سارقًا له نفوذ وهيبة، ولا يوجد له أعوان، فهو يعرف كيف يضر بالآخرين بمفرده، وأشار إلى أنها تدل على الحقد والحسد والغدر، وأن على من يرى البومة في منامه أن يأخذ الحذر والحيطة في حياته.
ولمَّا كان البشر يحملون كلَّ هذه الأفكار الغريبة عن هذا الطائر، فلا بدَّ أن يكون له حضور في حياة الناس وثقافتهم. فقد قيل في الأمثال: “اتبع البوم يوديك الخراب”. ورُوي أن الإمام الشافعي – رحمه الله – عندما رأى مطالع الشيب يغزو شعر رأسه، أنشد قائلًا:
أيا بومة قد عشّشت فوق هامتي
على الرغم مني حين طار غرابُها
رأيتِ خرابَ العمرِ مني فزُرتِني
ومأواكِ من كل الديار خرابُها
أأنعمُ عيشًا بعد ما حلّ عارضي
طلائع شيبٍ ليس يُغني خضابُها


أمَّا في العصر الحديث، فالبومة ما زالت محطّ اهتمام العلماء والباحثين والمهتمين بالطبيعة والفنانين، نظرًا لما تتمتع به من أدوار بيئية مهمة، وما تثيره من دهشة المصورين والمستكشفين بجمال شكلها وصوتها الليلي المهيب. وما تتميز به كطائر يحلق بصمت فريد، جعل العلماء والباحثين يتسابقون لدراسة سر هذا الطيران المثير الذي تفردت به البومة عن بقية الطيور.

قدرات حسية
تعكس أجسام البوم عمومًا تكيفًا حيويًا يتناسب وسلوك الصيد الليلي، فهي تمتلك جسمًا قويًا وأرجلًا ذات مخالب حادة وثابتة قادرة على الإمساك بالفرائس. كما تتميز برأس كبير مستدير يحيط بوجه مسطح قرصي الشكل، يُسهم في تركيز الصوت عند الأذنين، وهو ما يمنحها سمعًا حادًا. وفضلًا عن ذلك، تتمتع بقدرة فائقة على تحريك رقبتها بزاوية منفرجة، لتعمل كرادار يقوم بمسح الأجواء بحثًا عن الفرائس.
وتمتلك عينين كبيرتين تجعلان منها كقطة صغيرة، تمكنها من الرؤية الدقيقة في الظلام. ولها ريش ناعم يعلو الريش الخلوي، فيمنحها الطيران الصامت، وهو ما يجعلها قادرة على التسلل بشكل مثالي نحو الفريسة دون إصدار صوت. كل هذه القدرات جعلت من البومة صيّادًا ماهرًا لا تدركها الفرائس.

وتتميز البومة الفرعونية عن غيرها من أنواع البوم بعيون برتقالية – صفراء كبيرة تُبرزها الواجهة السمراء للوجه، إلى جانب منقار قوي يساعدها على تمزيق الفريسة. كما أن وجود شوكتين صغيرتين على الرأس يميزها بصريًا عن غيرها.
الأهمية تؤدي البومة الفرعونية كبقية أنواع البوم دورًا حيويًا في الشبكات الغذائية كحيوانات مفترسة على المستوى العلوي. فهي تُسهم في تنظيم أعداد القوارض، وغيرها من الثدييات الصغيرة، وتساعد على حماية المحاصيل، وموازنة الأنظمة البيئية. ولهذا، يحلو للبعض وصفها بالوكيل الطبيعي لمكافحة الآفات الزراعية.
ولا ريْبَ أن تقليل أعداد البوم، سواء بسبب السموم أو بسبب الصيد، قد يؤدي إلى زيادة سريعة في أعداد القوارض، وهو ما ينجم عنه أضرار زراعية وانتشار للأمراض. فالبوم لها وظيفة مهمة في الموازنة الطبيعية، وهو ما يجعلها جزءًا مهمًا في التنوع الأحيائي الذي يدعم صحة النظم البيئية وترابطها، من خلال حماية البيئة ومكافحة القوارض.


تهديدات رئيسة
لا تُعَدُّ البومة الفرعونية من الأنواع المهددة حاليًا، فقد جرى تصنيفها عالميًا ضمن الأنواع المستقرة، بل ربَّما تكون أعدادها في تزايد بسبب انتشارها الواسع.
غير أنها تواجه بعض التهديدات البيئية، بسبب تعرضها للصيد الجائر، أو بسبب فقدان الموائل الطبيعية الناتج عن التنمية البشرية والتوسع العمراني والتلوث بالمبيدات.
وكبقية الطيور الجارحة الليلية، قد تتأثر سلبًا بفقدان الموائل. لذا، ينبغي التوعية بأهميتها والمحافظة على بيئتها الطبيعية، وهذان أمران بالغا الأهمية لاستمرارها. وعلى ذلك، يُوصى بمراقبة أعدادها وتوزيعها بشكل مستمر لضمان استقرارها على المدى الطويل.

البومة الفرعونية (Pharaoh Eagle-owl)

الاسم العلمي Bubo ascalaphus
الطول 46 – 50 سم
وزن الذكر حوالي 1,900 جرام
وزن الأنثى يصل إلى 2,300 جرام
عدد البيض 1 – 4 بيضات
فترة الحضانة 32 – 36 يومًا

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد