[issue-single-data]

لماذا يختارون طريق الموت؟ حيتان ودلافين وسلاحف “تجنح” إلى خارج مساراتها

لماذا يختارون طريق الموت؟ حيتان ودلافين وسلاحف “تجنح” إلى خارج مساراتها

في سبتمبر من عام 2020، وقف العالم مشدوهًا وهو يتابع التغطيات الإعلامية الواسعة التي بثتها الفضائيات العالمية والعربية، لمئات من الحيتان تصارع الموت عند شواطئ تسمانيا الأسترالية.
وسائل الإعلام، آنذاك، كشفت عن كارثة بيئية ضخمة، تمثلت في جنوح أكثر من 470 حوتًا طيارًا، وهو ما جعل علماء البحار والمحيطات حول العالم يستنفروا لهذه الظاهرة ويعملون مع مجموعات من المتطوعين في محاولة إنقاذ الحيتان في حادثة وُصفت بأنها واحدة من أكبر حوادث الجنوح الجماعي في التاريخ الحديث.
وفي سنوات لاحقة شهد العالم، أيضًا، جنوح مجموعة من الدلافين في ولاية فلوريدا الأمريكية. وكذلك جنوح مجموعة من السلاحف في شواطئ الهند. وكذلك جنوح قناديل البحر في السواحل اليابانية.
كل هذا وغيره، أثار علماء الأحياء البحرية ليضاعفوا أنشطة البحث في أسباب هذا اللغز الذي يجبر الكائنات البحرية على الخروج من بيئتها المعتادة، لتلقى حتفها وكأنها تُقدم على عمليات انتحار جماعي.


الأكثر جنوحًا
تشير كثير من الدراسات إلى أن أكثر الكائنات عرضة للجنوح هي الثدييات البحرية ذات الأسنان (Odontoceti) التي تعيش غالبًا ضمن مجموعات مترابطة في المياه العميقة. وبشكل خاص، تشمل حيتان العنبر، والدلافين المحيطية، والحيتان الطيارة، والحوت القاتل الكاذب. أمَّا الحيتان البالينية، فنادرًا ما تجنح جماعيًا لعموم مساراتها وشكلها الاجتماعي.

ولطالما أظهرت الحيتان أنماطًا بارزة من حالات الجنوح الجماعي، ومن أمثلتها جنوح 416 حوتًا طيارًا قبالة شاطئ (Farewell Spit) في نيوزيلندا في عام 2017، وقد أدى ذلك إلى نفوق نحو %70 منها. وكذلك جنوح 146 دولفينًا قبالة سواحل كاب كود الأمريكية في عام 2024، في حادثة وُصفت بأنها من أكبر حوادث جنوح الدلافين في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد عمليات إنقاذ مضنية أنجزها علماء ومتطوعون، تمّ إنقاذ 102 دلفين.

السلاحف البحرية
وعلى الرغم من أن السلاحف البحرية لا تسبح بشدة فوق أسطح المياه عمومًا، فإنها تواجه حالات جنوح كبيرة، وبالأخص في المياه الباردة. فعند انخفاض درجة الحرارة بشكل مفاجئ (أي ما يسمَّى بظاهرة الإجهاد البارد)، تصبح حركة السلاحف بطيئة حتى تصل إلى الشاطئ ثملة بسبب برودة المياه. وقد شهدت سواحل إنجلترا وصول مئات السلاحف في موجات الجنوح الموسمية.


جنوح المرضى
وقد ظهرت حالات منفردة لجنوح الكركند البحري وأسماك المانتي المعروفة باسم “الشيطان البحري” وغيرها من الكائنات، إلا أنها تعد أقل شيوعًا، ويعود جنوحها غالبًا لأسباب خاصة بالفرد كالمرض أو الضعف.

تدابير وإجراءات
تتعاون الجهات الحكومية والمنظمات البيئية من أجل احتواء ظاهرة الجنوح عبر استراتيجيات متنوعة يتم من خلالها توظيف التكنولوجيا الحديثة والرصد الفضائي، والتتبع عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب التأهب والاستجابة الميدانية السريعة، وهو ما يمكن من تقليل آثار الجنوح وحماية النظم الأحيائية البحرية بشكل عام.
وعمدت العديد من الدول حول العالم لإيجاد فرق إنقاذ للكائنات البحرية الجانحة. على سبيل المثال، أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية منظمة مصايد الأسماك التابعة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA Fisheries)، وهي برنامج يسعى لمراقبة وحماية الثدييات البحرية.

وعلى النسق نفسه، تمَّ إنشاء هيئة حماية وإنقاذ الحيتان والدلافين (Project Jonah) في نيوزيلندا، وجمعية إنقاذ الحياة البحرية للغواصين البريطانيين (BDMLR) في بريطانيا، إضافة إلى العديد من المنظمات التي تقدم التدريب للمتطوعين على الإسعافات الأولية وعمليات الإنقاذ الفعّالة للكائنات البحرية الجانحة.
وتستخدم بعض فرق الإنقاذ أجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية لمراقبة مصير الحيوانات التي تمَّ إنقاذها بعد إطلاقها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة كيب كود مثلًا، قاموا بتزويد مجموعة من الدلافين المنقذة بأجهزة تتبع مؤقتة. وقد أظهر التتبع أن أكثر من %70 من الدلافين نجت واندمجت في أسراب بحرية طبيعية بعد إطلاقها.

أسباب الجنوح
9 أسباب أغلبها من صنع البشر

تغير المناخ
يؤدي ارتفاع حرارة البحار والمحيطات، إلى تغييرات في توزيعات الفرائس والتيارات البحرية، وهو ما يؤدي إلى زيادة تدفق المياه الدافئة الشمالية، ويجذب الحيتان بحثًا عن طعامها في المناطق الضحلة ويجعلها تصطدم بانخفاض درجات الحرارة.
التلوث البحري
تمثّل المواد الكيميائية الضارة والنفايات البلاستيكية، سببًا مهمًا في جنوح بعض الكائنات البحرية.
الضوضاء
الضوضاء البشرية كالتفجيرات والسونار العسكري، تعدُّ مسببًا رئيسًا لإطلاق الإنذارات الحنجرية للحيتان، وهو ما يشكّل دورًا مؤثرًا في الضياع. فالسونار ذو الترددات المتوسطة قد يسبب اضطرابًا حسيًا في الحيتان المنقارية العميقة، وقد رُبطت به حالات من الجنوح.

أنشطة بشرية
بعض الأنشطة البشرية مثّلت أسبابًا رئيسة لجنوح بعض الكائنات البحرية مثل حوادث الاصطدام بالسفن. وتُعدُّ شباك الصيد من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى نفوق الكائنات البحرية عندما تعلق بها.
عوامل بيولوجية وسلوكية
قد تؤدي إصابة الحيتان والسلاحف بالطفيليات أو السموم، إلى اضطرابات عضوية تدفعها إلى الجنوح. كما يسبب التقدُّم في العمر لدى بعض الأنواع ضعفًا ووهنًا، فيؤدي ذلك إلى إبعاد هذه الكائنات عن مسار هجرتها.
الأخطاء الملاحيّة
أولت بعض البحوث أهمية كبرى لحدوث الاضطرابات المفاجئة في الإيقاع الصوتي الطبيعي للحيتان، وذلك عند الاقتراب من ضفاف حادة، أو لعل بعض الكائنات ينسى موقعه في تدرّجٍ ساحلي حاد.

التنشئة الاجتماعية
تمتاز بعض الحيتان بالدعم الاجتماعي القوي بين أفرادها، وهذا ما يفسر الكثير من الجنوح الجماعي. فعندما يواجه أحد أفراد المجموعة مشكلة صحية، قد تثير نداءاته استجابة البقية، فتحاول مساعدته بإقامة خيمة توازن على الشاطئ فتعلق جميعها معًا، وهو ما يُعرف باسم جنوح الاتباع (follow-me strandings).
الهروب من المفترسات
في حالات نادرة تُنذِر الحيتان الغواصة بعضها بعضًا عند دخول منطقة خطرة (كوجود حيتان قاتلة)، وهو ما يدفعها في حالة الذعر الشديد إلى الشاطئ.
صعوبات التكاثر
قد تشكّل ولادة الحوت في أماكن قريبة من الشاطئ خطرًا حقيقيًا على الأم وصغيرها معًا؛ إذ قد يؤدي ذلك إلى احتباس الأم أو الصغير.

كما أثبتت هذه النتائج فعالية جهود الإنقاذ وإعادة التأهيل، باستخدام تطبيق (Whale Alert) المعد للهواتف الذكية لتحذير الناقلات والسفن السياحية في مناطق الحيتان، وهو ما يسمح بالإبلاغ الفوري عن أي رؤية لحيتان مهددين، ويسهم في تقليل حوادث التصادم البحرية.
وتشمل حالة التأهب في المناطق المعرضة للخطر، نظم إنذار مبكر في البحار في حالة توقع تيارات غير اعتيادية أو زلازل بحرية، إضافة إلى القيام بحملات النظافة البحرية بين وقت وآخر، وذلك للتقليل من شباك الصيد الضائعة والملوثات.

ويتم التدخل السريع للمتطوعين في حالات الطوارئ، من خلال تغطية الثدييات الجانحة بالأقمشة المبللة لتجنب جفافها، ووضعها على ألواح صلبة مع تدفق للمياه الباردة حولها إلى أن تصل الفرق المتخصصة لنقلها إلى مراكب خاصّة أو إلى محميات بحرية قريبة.
أمَّا بالنسبة إلى السلاحف المتجمدة بسبب البرد، فإن وحدات إنقاذ ساحلية مساندة للشرطة البيئية وموظفي الحدائق الوطنية، يعمدون للبحث عنها برًا وبحرًا لنقلها للمختبرات سابقة التجهيز ليتم علاجها هناك، وبعد أن تتماثل للشفاء يُعاد إطلاقها في مواقع مناسبة في المياه العميقة.

ومن أجل تطوير تقنيات رصد جديدة أقرّت جمعيات عالمية، مثل اللجنة العلمية لإدارة الحيتان، بضرورة الوصول إلى بيانات عالمية، حيث تتعاون المنظمات الوطنية مع الجامعات ومراكز الأبحاث لتطوير تقنيات رصد وتتبع جديدة.
وفي المواقع النائية والبعيدة اقترح باحثون دوليون استخدام صور الأقمار الصناعية لتحليل مواقع الجنوح في المناطق النائية، وذلك لتوفير إنذار مبكر للمساعدة في الاستجابة السريعة. وتدعم برامج الأمم المتحدة والمبادرات العالمية استعادة الموائل البحرية، وحظر التدريبات العسكرية، وأصوات السونار، في مناطق معروفة بحدوث جنوح متكرر.

كيف يتعامل المركز مع حالات النفوق؟
لدى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية بروتوكول يشتمل على إطار علمي موحد للاستجابة لحالات جنوح الكائنات البحرية الكبيرة في السواحل السعودية بالبحر الأحمر والخليج العربي. ويتضمن هذا البروتوكول الإبلاغ، والاستجابة الميدانية، والإنقاذ، وإعادة التأهيل، والتشريح، وجمع البيانات.
ويحدد البروتوكول آليات استقبال البلاغات عبر خط ساخن على مدار الساعة ومنصات رقمية، مع إشراك الجهات الحكومية، والمراكز البحثية، والمنظمات

المجتمعية لضمان سرعة ودقة الاستجابة. ويوضح إجراءات التعامل مع الكائنات الحية لتثبيتها وعلاجها أو إعادتها للبحر، والتعامل مع النافقة بالفحص الميداني والتشريح والتخلص السليم من الجثث لتجنب الأضرار البيئية. ويركز على جمع بيانات شاملة وموحدة لكل حادثة، وتخزينها في قاعدة بيانات مركزية لدعم البحث العلمي، وتطوير خطط التخفيف طويلة الأمد لمعالجة أسباب الجنوح، مثل: فقدان الموائل، والتشابك بمعدات الصيد، والتلوث. كما يؤكد أهمية البنية التحتية، والتدريب المستمر، والتمويل المستدام، وإشراك المجتمعات الساحلية.

فريق من محمية الجبيل للأحياء البحرية ينقذ سلحفاة بحرية، من نوع “كبيرة الرأس”، إثر جنوحها إلى الشاطئ بسبب مشاكل صحية، وتم تقديم العناية البيطرية اللازمة لها حتى استعادت عافيتها قبل إطلاقها إلى بيئتها الطبيعية في الخليج.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد