[issue-single-data]

مبادرة الشرق الأوسط الأخضر..رؤية إقليمية للتنمية الخضراء

مبادرة الشرق الأوسط الأخضر..رؤية إقليمية للتنمية الخضراء

المهندس

إبراهيم بن محمد التركي

الأمين العام لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر

في ظل تصاعد التحديات البيئية عالميًا، جاءت “مبادرة الشرق الأوسط الأخضر” بوصفها إطارًا إقليميًا يعزز العمل الجماعي لمواجهة تدهور الأراضي وفقدان التنوع الأحيائي والتغير المناخي.
لم يعد تدهور الأراضي اليوم مجرد قضية بيئية، بل تمتد تأثيراته إلى النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة الشعوب واستقرار المجتمعات. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 3.2 مليار إنسان يتأثرون بتدهور الأراضي، في انعكاس مباشر لارتباط البيئة بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأن 1.3 مليار شخص يعتمدون على أراضٍ زراعية تعاني التدهور المستمر. كما تُظهر الدراسات أن %29 من الأراضي المتدهورة عالميًا سببها الأنشطة البشرية، وأن ما يقارب من 500 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة تقع في المنطقة الجغرافية المحددة في “مبادرة الشرق الأوسط الأخضر”، والتي تغطي دول غرب ووسط وجنوب آسيا، وشمال إفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ أي التي تقع في قلب العالم والتي تعدُّ الأكثر تأثرًا بالتصحر وتدهور الأراضي والجفاف.

قيادة سعودية لعمل بيني متعدد الأطراف
أطلقت المملكة العربية السعودية “مبادرة الشرق الأوسط الأخضر” في القمة الأولى للمبادرة في أكتوبر 2021م، وقدمت لها كافة أنواع الدعم، وذلك لإيمانها بأن بيئة المنطقة والعالم واحدة، وأن الجميع شركاء في هذه البيئة، وأن هناك حاجة ماسة لتعزيز الجهود الإقليمية والدولية لحماية البيئة والحد من تدهور الأراضي ومكافحة التصحر والجفاف، لا سيَّما في هذه المنطقة من العالم. كما أن جهود المملكة في العمل البيئي الدولي تمتد لتشمل إطلاق ودعم العديد من المبادرات البيئية الإقليمية والدولية، مثل: مبادرة مجموعة العشرين العالمية للأراضي، ومبادرة شراكة الرياض العالمية من أجل الصمود في مواجهة الجفاف، والمبادرة الدولية للإنذار المبكر من العواصف الغبارية والرملية.
الإطار الاستراتيجي لـ”مبادرة الشرق الأوسط الأخضر”
تستند “مبادرة الشرق الأوسط الأخضر” إلى ركائز العمل البيئي الدولي، وفي مقدمتها اتفاقيات ريو الثلاث (اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر

UNCCD، واتفاقية التنوع البيولوجي CBD، واتفاقية تغير المناخ UNFCCC)، وترتبط بأهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف (13) “العمل المناخي” والهدف (15) “الحياة في البر”. كما أن المبادرة تستند إلى نظام حوكمة تحت إطار تنظيمي إقليمي يضم مجلسًا وزاريًا ولجنة تنفيذية وأمانة عامة ولجانًا علمية وتوجيهية. إن هذا النموذج من الحوكمة، المستند إلى الشفافية والتعاون العلمي والتمويل الأخضر، يمثّل تحولًا حقيقيًا في إدارة العمل البيئي على مستوى الإقليم. وتحتكم المبادرة في عملها إلى ميثاق معتمد من الدول الأعضاء، يتضمن رؤية مستقبلية وأهدافًا مشتركة، وآليات عمل للمتابعة والتقييم والتمويل المشترك، إضافة إلى آليات عمل لبناء قدرات الدول الأعضاء ونقل الخبرات والمعرفة والتجارب الناجحة والتقنيات والابتكارات الحديثة بين الدول.
تتطلع المبادرة بحلول عام 2030م إلى أن تصبح المنصة الإقليمية الأولى لإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة في المنطقة لتعزيز مشاريع التمويل الأخضر وسندات الكربون، وتطوير قاعدة بيانات إقليمية للموارد الطبيعية وبناء القدرات ونقل

المعرفة، وإصدار تقرير إقليمي سنوي عن حالة الأراضي في المنطقة.
أثر بيني ملموس لحماية وتنمية التنوع الأحيائي والمساهمة في جهود المناخ العالمي
تعتمد أهداف المبادرة على معطيات دقيقة وأرقام طموحة، فهي موجهة لزراعة 50 مليار شجرة في دول الإقليم بما يعادل استعادة 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وذلك بالاعتماد على الحلول القائمة على الطبيعة Nature-based) Solutions) لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وهو ما سيسهم في خفض الانبعاثات وتعزيز قدرة الأراضي على امتصاص الكربون، وحماية وتنمية التنوع الأحيائي وتحسين جودة الحياة لسكان هذه المنطقة.
قوة دافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
إن الحفاظ على الطبيعة ليس عملًا بيئيًا فقط، بل هو إسهام في تحقيق منجزات اقتصادية واجتماعية للمجتمعات؛ إذ ستتيح المشاريع البيئية آلاف فرص العمل الخضراء في الزراعة البيئية، وإعادة التشجير، وإدارة الأراضي. إضافة إلى

دورها في دعم الابتكار في مجالات الزراعة الذكية والاقتصاد الحيوي والتمويل الأخضر، وتعزيز الأمن المائي والغذائي في منطقة تعاني أحد أعلى معدلات الإجهاد المائي في العالم. وتُقدَّر تكلفة فقدان خدمات النظم البيئية عالميًا بحوالي 6 تريليونات دولار سنويًا؛ أي ما يعادل %5 من الناتج الإجمالي العالمي، وهذا وحدَه يوضح أن الخسارة البيئية هي خسارة اقتصادية مباشرة. كما أن كل دولار يُستثمر في استعادة الأراضي المتدهورة يدرُّ عوائد تُقدّر بحوالي 30 دولارًا من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية والصحية عبر تحسين الإنتاج الزراعي وإعادة إحياء التربة وحماية التنوع الأحيائي، إضافة إلى تعزيز الأمن الغذائي. كما أن استعادة الأراضي المتدهورة تُعدُّ من أسرع وأقل الحلول تكلفة لتقليل الانبعاثات البيئية ودعم تخزين الكربون.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد