[issue-single-data]

متنزه شلالات فيكتوريا الوطني حياة برية ساحرة وفريدة في كل موسم

متنزه شلالات فيكتوريا الوطني حياة برية ساحرة وفريدة في كل موسم

يتدفق نهر زامبيزي العظيم على الصخور البازلتية، مُشكّلًا مشهدًا طبيعيًا فريدًا يفوق الوصف، في قلب جنوب إفريقيا، حيث متنزه شلالات فيكتوريا الوطني في جمهورية زيمبابوي، الذي يحتل مساحة شاسعة تمتد عبر حدود جمهوريتي زيمبابوي وزامبيا.
طالما شكَّل هذا الموقع مسرحًا فعليًا نابضًا بالحياة، تزدهر فيه مجموعة استثنائية من الحيوانات البرية ضمن نظام بيئي كوَّنته قوة الشلالات العظيمة. وهي في الحقيقة ليست مجرد شلالات، بل مشهد طبيعي نابض بالحياة يدعم تنوعًا أحيائيًا غنيًا، من أكبر الثدييات البرية إلى أكثر أقواس قزح القمرية تألقًا في العالم.
الدخان الذي يرعد
بلغت المنطقة المحيطة بشلالات فيكتوريا موقعًا ذا أهمية روحية كبرى وشهرة عملية للسكان المحليين “شعب كولولو”، الذين وصفوا شلالات فيكتوريا باسم (Mosi-oa-Tunya) “موسي-أوا-تونيا”؛ أي “الدخان الذي يرعد”. لطالما كانت هذه المنطقة موقعًا للعبادة والطقوس التقليدية، حيث تقيم القبائل المحلية احتفالاتها على حافة الشلالات، ولا يزال البعض يمارس هذه الطقوس حتى اليوم.
يزيد عرض هذا النهر على كيلومترين، ويتدفق مرتفعًا لمسافة تزيد على 100 متر، ثم يدخل في وادٍ ضيق. هذا هو جوهر شلالات فيكتوريا، بعرض إجمالي يبلغ 1708 أمتار (5604 أقدام)، وارتفاع أقصى يبلغ 108 أمتار (355 قدمًا).
وقد صُنّفت هذه الشلالات كأكبر شلال مائي منفردًا في العالم بحجمها الهائل المذهل. وخلال موسم ذروة الأمطار من فبراير إلى يوليو، يتدفق أكثر من 500 ألف متر مكعب من المياه على حافتها كل دقيقة، مُحدثًا هديرًا يكاد يصم الآذان وعمودًا شاهقًا من الرذاذ يمكن أن يرتفع إلى مئات الأمتار في السماء، ويُرى من مسافة تزيد على 50 كيلومترًا، مُشكّلًا هالة ضبابية هائلة لا تتوقف عن الارتفاع، وهو الأمر الذي منح الشلالات اسمها المحلي المثير “الدخان”، الذي يُجسّد قوة هذه الشلالات الجامحة.
يقع الجانب المحمي من الشلالات في جمهورية زيمبابوي، ضمن متنزه شلالات فيكتوريا الوطني، ويُقدّم إطلالات شاملةً على مشهد فريد من نوعه لا مثيل لهفي أي مكان آخر في العالم. يتجوَّل فيه الزوَّار على طول مساراتٍ مُعتنى بها جيدًا تُتيح إطلالاتٍ بانوراميةً أماميةً على أربعة من الشلالات الرئيسية الخمسة: شلال الشيطان، والشلالات الرئيسية، وشلالات حدوة الحصان، وشلالات قوس قزح. أمَّا الشلال الخامس، وهو الشلال الشرقي، فيقع في الجانب الآخر لجمهورية زامبيا.


كنز عالمي
تتجاوز الأهمية العميقة لشلالات فيكتوريا جمالها البصري. ففي عام 1989، أُدرجت منطقة شلالات فيكتوريا “موسي-أوا-تونيا” كموقع على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وذلك لقيمتها الاستثنائية عالميًا، وسماتها الجيولوجية والجيومرفولوجية المتفردة، وخاصةً عمليات تكوين الأرض النشطة التي لا تزال تُشكّل معالمها الطبيعية، وما تتمتع به من أهمية علمية وجمالية لا مثيل لها على وجه الكوكب.

وتؤكد الحماية لهذا الإرث الطبيعي المسؤولية العالمية لصونه، والالتزام بمتطلبات الحفاظ والحماية الصارمة للحديقة التي تديرها هيئة إدارة المتنزهات والحياة البرية في زيمبابوي، وذلك للحفاظ على سلامة الشلالات والنظم البيئية المحيطة بها، والحياة البرية التي تتخذ من هذه المنطقة موئلًا وموطنًا لها وللأجيال القادمة. كما يُسهم تصنيف اليونسكو في جهود الحفاظ على البيئة، وجذب الانتباه والدعم الدوليين لحمايتها؛ إذ تشكّل الشلالات في متنزه فيكتوريا الوطني ومتنزه زامبيزي الوطني نسيجًا حيويًا مهمًا يضمُّ شرائط نهرية وغابات شاسعة، توفر موائل حيوية لمجموعة متنوعة من الثدييات والطيور والزواحف والحشرات.


نباتات متنوعة

لعلَّ إحدى أكثر السمات المذهلة لمتنزه شلالات فيكتوريا الوطني ومتنزه زامبيزي الوطني، هي الغابات المطيرة الوفيرة التي تزدهر داخل منطقة رذاذ الشلالات، كمناخ مدهش يُسقى باستمرار بالضباب الناعم، وهو ما يوفر بيئة لا مثيل لها حول العالم. فضلًا عمَّا تتميز به المناطق المحيطة بالغابات من أحياء تنبض بالحياة من النباتات والثدييات والطيور والزواحف والحشرات، حيث تهطل الأمطار على مدار العام.
فالتنوع النباتي والحيواني مذهل، والسير في الغابة أثناء الأمطار الغزيرة، يجعل المرء يُصادف تنوعًا نباتيًا مذهلًا، فهي موطن للعديد من الأنواع النباتية الفريدة، من الأشجار الشاهقة مثل: الماهوجني، والناتال، والأبنوس، ونخيل التمر البري الكثيفة، التي تكتسي بشجيرات كثيفة من نباتات السرخس، وكروم الليانا، وغيرها من النباتات المحبة للرطوبة. وينتشر من خلالها شريط أخضر يدلل على قوة الشلالات الحيوية التي شكّلت نظامًا بيئيًا أصبح موئلًا وموطنًا حيويًا رطبًا وباردًا أسهم بشكل كبير في التنوع الأحيائي العام للحديقة.


سيمفونية حياة
تسمح البيئة الرطبة التي خلقها ضباب شلالات فيكتوريا بازدهار النظام البيئي للغابات المطيرة، وتشكّل صخور البازلت المحفورة على مدى ملايين السنين في مختلف الارتفاعات، جدرانًا شاهقة للمضايق التي ترتفع مئات الأمتار، ومكانًا

يتميّز بتناغم طبيعي عميق. إذ تجتمع عدة عوامل من هدير الشلالات، وحياة الغابات المطيرة والتكوينات الجيولوجية القديمة، والحياة البرية المهيبة، وهو ما يجعلها مجتمعة، مواقع آمنة لأنواع فريدة متنوعة من الثدييات والطيور والزواحف والحشرات، التي تزيد المكان سحرًا وجمالًا طبيعيًا أخّاذًا في هذه المحمية المترامية الأطراف.
إن الترابط بين مختلف هذه الأنواع أمر مُدهش، ونهر زامبيزي ليس مجرد مصدر للشلالات، بل هو شريان حياة يدعم كل شيء، بدءًا بالأسماك التي تغذّي التماسيح وثعالب الماء، إلى النباتات النهرية التي توفر الغذاء والمأوى للحيوانات العاشبة، التي تؤثر في حركتها الدورة الطبيعية لفصول الجفاف والأمطار، وتؤثر كذلك في أنماط تكاثرها، وهو ما يجعل كل موسم تجربة فريدة لحياة برية مدهشة.

عالم واسع من المظاهر والمشاهد النادرة والمدهشة.


كائنات ضخمة
لا شكَّ أن الفيلة هي أبرز سكان هذه المنطقة، لكن إلى جانبها توجد أيضًا حيوانات ضخمة مثل: أفراس النهر، وجاموس الرأس، والظباء، والبابون، والخنازير البرية، وتماسيح النيل، التي تمخر عباب نهر زامبيزي؛ إذ تنتشر كائنات صغيرة وكبيرة مختلفة، من بينها ضفدع المطر الذي ينتشر بشكل واسع وملحوظ في مختلف الأنحاء.

وعلى طول نهر زامبيزي، وفي أعلى منبع الشلالات، تأتي قطعان الفيلة بشكل متكرر للشرب والاستحمام، وقد تعبر النهر أو تبحث عن الطعام في الأدغال الكثيفة، حيث يُشكّل حجمها الهائل مشهدًا مُهيبًا على خلفية المناظر الطبيعية.
وينتشر أيضًا جاموس الرأس، بقرونه الضخمة، وغالبًا ما يُعثر عليه وهو يرعى في المراعي المفتوحة أو بالقرب من مصادر المياه. تُضفي هذه الأبقار الضخمة أجواءً بريةً مميزةً، عندما تتحرك بأعداد هائلة، وهو ما يزيد من حيوية الأجواء البرية للحديقة.
وعلى ضفاف النهر، لا تخفي أفراس النهر نفسها، وهي تردد صدى أنينها مغمورةً بالمياه خلال النهار، فلا تظهر إلا للرعي ليلًا. وإلى جانب أفراس النهر، يُعدُّ نهر زامبيزي موطنًا لتماسيح النيل المفترسة التي تتربص بفرائسها الغافلة، في تذكير صارخ بسلسلة الغذاء البرية.
بينما تجد مجموعة مختلفة من الظباء ملاذًا آمنًا في الحديقة، من بينها الإيلاند الرشيق، والإمبالا، والكودو، التي تتجوّل بين الغابات والمساحات المفتوحة. ويُعدُّ منظر الخنازير البرية مشهدًا شائعًا ومُضحكًا في آنٍ معًا، فهذه الخنازير غالبًا ما تُشاهد وهي تهرول وذيولها مرفوعة. وبالقرب من المستوطنات البشرية تنتشر قرود البابون وأنواع أخرى من القرود في كل مكان، لتُضيف على المشهد حيوية بيئية بحركاتها البهلوانية المرحة. وفي حالات نادرة، قد تُرصد حيوانات مفترسة أكثر مراوغة، مثل الفهود، خاصةً خلال ساعات الشفق، مع أنها تميل إلى الابتعاد عن النشاط البشري.


طيور مميزة
تتميز حياة الطيور هنا بجمالها الأخّاذ، حيث سُجِّل أكثر من 500 نوع من الطيور في منطقة نهر زامبيزي الأوسع. تُوفر الوديان والصخور البازلت المحفورة على مدى ملايين السنين في مختلف الارتفاعات، والجدران الشاهقة للمضايق التي ترتفع مئات الأمتار، بيئة تكاثر حيوية للطيور المهددة بالانقراض، سواء للطيور المقيمة أو المهاجرة، ومن ضمنها صقر تايتا الشهير والنسر الأسود المهيب، والطيور المائية التي تنتشر بشكل واسع وبأنواع مختلفة مثل اللقالق والبلشون، على طول النهر، مستفيدةً من ثرائه بالحياة المائية.
ويدعم رذاذ الشلالات والبيئة عالية الرطوبة مجموعات فريدة من الحشرات، التي توفر الغذاء لمختلف الطيور. ويُتيح الضباب المستمر نموَّ غابة مطيرة خضراء، تجذب الطيور آكلة الفاكهة، وتُوفّر غطاءً كثيفًا للتعشيش.

قوس قزح القمر
إحدى الظواهر النادرة والساحرة التي تحدث في كل شهر بشكل منتظم، وتُعدُّ مشاهدتها تجربة ساحرة حقًّا، هي مشاهدة قوس قزح القمر. فبدلًا من ضوء الشمس، ينكسر ضوء القمر عبر الضباب الدائم الذي تُشكله الشلالات، ليرسم قوسًا رقيقًا من الألوان عبر السماء في الليل ليقدم مشهدًا يحبس الأنفاس.
ولهذا، يفتح المتنزه أبوابه أحيانًا في المساء مع اكتمال القمر ليتيح للزوار مشاهدة هذا الجمال الأخّاذ، الذي يُضيف لمسةً من الروعة إلى معلم طبيعي ساحر، محوّلًا هدير النهار القوي إلى عرض ليلي هادئ وغامض.
ويبقى متنزه شلالات فيكتوريا الوطني، إلى جانب متنزه زامبيزي الوطني، مكانًا يتميّز بتناغم طبيعي عميق، تجتمع فيه عدة عوامل: من هدير الشلالات، إلى حياة الغابات المطيرة، إلى التكوينات الجيولوجية القديمة، إلى الحياة البرية المهيبة، وقوس قزح القمر الذي يحبس الأنفاس؛ فيخلق كل ذلك تجربة استثنائية بالبهجة والروعة والإثارة في آنٍ معًا.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد