- البيانات الميدانية والتقنيات الفضائية ترسم معًا خريطة الحياة البرية
- إعادة التوطين ليست إحياء الماضي فحسب، بل استعادة الوظائف البيئية المفقودة
- ملاذ مناخي حيوي في زمن يتسارع فيه فقدان الموائل
بين صمت الصخور البركانية، وهمس الأودية الخضراء، وزرقةٍ عميقةٍ تحتضن الشعاب المرجانية، تنسج محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية حكاية مكانٍ يتجاوز حدود الجغرافيا. هنا، تتقاطع الطبيعة البرية والبحرية مع ذاكرة الإنسان، ويصبح الاكتشاف فعل إنصات طويل لما تخبئه الأرض من تنوّع وحياة وتاريخ. إنها محمية لا تُعرّف بوصفها مساحة محفوظة فحسب، بل عالمًا حيًّا يُعاد اكتشافه، وتُستعاد فيه العلاقة القديمة بين الإنسان وبيئته.
تمتد محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية من سهول الحِّرات البركانية في الجبال، مرورًا بالأودية النابضة بالحياة والمراعي والسهول الرملية، وصولًا إلى ساحل تحيط به أشجار المانغروف وتغمره المياه العميقة للبحر الأحمر، لتُعدَّ واحدة من أكثر المناطق المحمية تنوعًا بيولوجيًا في الشرق الأوسط.
وتقع المحمية في قلب ممر بيئي يربط المشاريع العملاقة الرئيسة لـ”رؤية المملكة 2030″، وهي: نيوم، والعُلا، والبحر الأحمر الدولية، مما يمنحها دورًا محوريًا في تعزيز الترابط البيئي وحماية النظم ذات الأهمية العالمية.
وتجمع المحمية بين الحفاظ على البيئة البرية والبحرية ودورها بوصفها منصة للاكتشاف العلمي واستعادة النظم البيئية، بما يدعم التزامات “رؤية 2030″ و”مبادرة السعودية الخضراء” في حماية %30 من أراضي المملكة وبحارها بحلول عام 2030.
مساحة استثنائية وثراء أحيائي متصاعد
تمتد محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية على مساحة شاسعة تبلغ 24,500 كيلومتر مربع، تضم 20,517 كيلومترًا مربعًا من الأراضي البرية و3,856 كيلومترًا مربعًا من المساحات البحرية، بما في ذلك ساحل يمتد بطول 170 كيلومترًا و16 جزيرة. وتُعدُّ المحمية موطنًا لأكثر من 1,300 نوع، وهو رقم آخذ في الازدياد مع الاكتشافات المتواصلة لأنواع جديدة علميًا، أو أنواع تُسجّل لأول مرة في المملكة، إضافة إلى تسجيل امتدادات جديدة لنطاقات انتشار بعض الأنواع عالميًا، مما يجعلها واحدة من أكثر المواقع نشاطًا في اكتشاف التنوع الأحيائي. وفي هذا السياق، يوضح أندرو زالوميس، الرئيس التنفيذي للمحمية: “هذه الاكتشافات ذات أهمية بالغة؛ فهي تؤكد دور المحمية كملاذ مناخي حيوي، ولا سيَّما مع تزايد تأثير التغير المناخي على الموائل الطبيعية المعتادة لهذه الأنواع”.
على الرغم من أن المناظر الطبيعية القاحلة قد تبدو خالية، فإن خمس سنوات من الدراسات الميدانية الموسمية كشفت عن ثراء أحيائي لافت. ففي عام 2021، وثّق أول مسح نباتي 121 نوعًا، ولكن بحلول عام 2026، أكدت النتائج الأخيرة وجود 521 نوعًا نباتيًا؛ أي ما يزيد على %20 من نباتات المملكة. وشملت هذه النتائج اكتشاف ثلاثة أنواع جديدة عالميًا، ونوعًا جديدًا على مستوى المملكة، إضافة إلى توثيق 12 توسعًا في النطاق الجغرافي العالمي لبعض الأنواع.
ويُعدُّ “وادي الديسة” الأيقوني جزءًا من “الملاذات البيومناخية في غرب الجزيرة العربية”، بوصفه مركزًا استثنائيًا للتنوع البيولوجي البري. وفي هذا الموقع، سُجّل وجود نبات أوركيد “الخُبزية الشرقية” النادر (Epipactis veratrifolia)، فيما تنتصب غابات العرعر (Juniperus turbinata) حارسةً للطبيعة منذ أكثر من 400 عام. كما ينمو فيه نبات “الذنبان” المكتشف حديثًا (Reseda sp. nov. aff. muricata) إلى جانب نبات البليحاء (Reseda pentagyna) المهدد بالانقراض الشديد.
وفيما تقع المملكة عند تقاطع طريقين رئيسيين لهجرة الطيور: (البحر الأسود – البحر المتوسط)، و(غرب آسيا – شرق إفريقيا)، وثَّقت البعثات العلمية منذ عام 2021، 265 نوعًا من الطيور، تُمثِّل %49 من الأنواع الموثقة في المملكة. ويُعدُّ رصد “عقاب أبيض الذنب” مؤخرًا، وهو أول تسجيل وطني له منذ أكثر من عقدين، دليلًا واضحًا على نجاح استراتيجية استعادة الموائل في المحمية ودورها كملجأ آمن للأنواع المهاجرة.
كما وثَّقت المسوحات البرية 28 نوعًا من الثدييات، من بينها تجمعات قوية للوعل النوبي، ونوعان من الزواحف الجديدة علميًا. ووثّقت المسوحات الليلية 18 نوعًا من الخفافيش، منها أول تسجيل وطني لخفاش “روبل”.
أمَّا في أعماق البحر الأحمر، فتزدهر المحمية بشعاب مرجانية ممتدة تضم أكثر من 160 نوعًا من المرجان الصلب. وتوفر هذه الشعاب موئلًا حيويًا للأسماك والسلاحف صقرية المنقار المهددة بالانقراض، فيما تدعم النظم البيئية للأعشاب البحرية حيوان “الأطوم” المهدد بالانقراض، وتجمعات السلاحف الخضراء ذات الأهمية الوطنية.

حماية التنوع الأحيائي
يُعدُّ هذا التنوع الأحيائي المذهل أحد أعظم الأصول الطبيعية للمملكة، ولاسيَّما في الوقت الذي يُحذّر فيه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) من أن %28 من الأنواع العالمية مهددة بالانقراض. وتتولى حماية هذه الثروة الطبيعية فرق من أبناء المنطقة أنفسهم، ممن يعرفون الأرض والمياه حق المعرفة؛ إذ يشكّل 234 رجلًا وامرأة فريق مفتشي البيئة في المحمية، يقومون بدوريات على مدار 365 يومًا في السنة، سيرًا على الأقدام، وبالمركبات، وفي البحر.
وقد حظيت مبادرة مفتشي البيئة باهتمام كبير، حيث استُقبل أكثر من 35,000 طلب منذ إطلاقها. ويخضع المقبولون لبرنامج تدريب مكثف يشمل قيادة سيارات الدفع الرباعي، والإسعافات الأولية، وجمع البيانات، والتتبع، والرصد. ويضم الفريق أول فرقة مفتشات بيئيات في الشرق الأوسط؛ إذ يشكلن %36 من فريق مفتشي المحمية؛ أي ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي البالغ %11 فقط.
حتى اليوم، أنجز الفريق المكون من 234 فردًا ما يقرب من 50,000 دورية، يعملون خلالها جنبًا إلى جنب مع القوات الخاصة للأمن البيئي وحرس الحدود، لحماية الأصول الطبيعية والثقافية للمحمية برًا وبحرًا. وتشمل مهامهم المراقبة البيئية لتوجيه استراتيجيات الحفظ، ودعم برامج إعادة توطين الحيوانات، وإدارة مجموعات الحياة البرية، والإشراف على مشاريع التنمية لضمان الامتثال لتقييمات الأثر البيئي والاجتماعي.
تقنيات متطورة في البر والجو والبحر
وفي حين نجحت الدراسات الميدانية متعددة المواسم في تأكيد وجود الأنواع المختلفة داخل المحمية، يتمثّل التحدي التالي في تعميق فهمنا لكيفية استخدام هذه الكائنات لموائلها، وتتبع تحركاتها وأنماط هجرتها، ولا سيَّما الكائنات
البحرية والطيور المهاجرة. وبينما توفر ملاحظات مفتشي البيئة بيانات ميدانية أساسية، تتيح تقنيات الأقمار الصناعية المتطورة للمحمية رسم خرائط دقيقة لتحركات الأنواع في البر والجو والبحر.
وفي عام 2025، ركّبت المحمية أجهزة تتبع على ثلاث سلاحف من نوع “صقرية المنقار” المهددة بشدة بالانقراض، وسبع سلاحف خضراء، لرسم خرائط مسارات هجرتها عبر البحر الأحمر. وتتنقل السلاحف في البحر الأحمر عبر مساحة تصل إلى 438,000 كيلومتر مربع من المياه المفتوحة التي تحدها ثماني دول، قبل أن تعود إلى شواطئ موطنها الأصلي للتعشيش. وتدعم بيانات التتبع هذه تحديد مواقع التوقف والتغذية والتعشيش، كما تسهم في صياغة خطط الحفظ الإقليمية.
أمَّا في الأجواء، فقد قطع نسران من نوع النسر الأسمر، مزودان بأجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية، أكثر من 250,000 كيلومتر خلال 3 سنوات، مما وفّر معلومات قيمة حول مسارات الطيران وطرق الهجرة. كما شملت عملية إعادة توطين طيور الحبارى الآسيوية، مؤخرًا، تركيب أجهزة تتبع لـ10 طيور، لتوفير بيانات أساسية حول معدلات البقاء، وأنماط الحركة، واستخدام الموائل، والتهديدات التي تواجه الطيور المعاد توطينها. وستسهم هذه المعلومات في توجيه عمليات الإطلاق المستقبلية ودعم إنشاء مجموعات برية مستدامة داخل المملكة والمنطقة.
وعلى اليابسة، ركّبت المحمية أطواق تتبع عبر الأقمار الصناعية لقط الرمال، لفهم هذا النوع الصحراوي المراوغ بشكل أدق، نظرًا لندرة البيانات المتاحة عنه. بالإضافة إلى ذلك، نُشرت أكثر من 100 كاميرا مراقبة في أنحاء المحمية، لتوفير رصد مستمر لحركة الأنواع البرية والبيانات اللازمة لضمان حمايتها بفعالية.

إعادة التوطين
ينفّذ إطار الإدارة البحرية والبرية طويل الأجل، المعتمد من مجلس إدارة المحمية، برامج استعادة الموائل عبر مساحة 24,500 كيلومتر مربع. وبالتكامل بين برنامج مفتشي البيئة المتقدم والمشاركة المجتمعية الفاعلة، توفّر الحماية والظروف البيئية اللازمة لدعم إعادة التوطين على نطاق واسع. وتتمثل مهمة المحمية في إعادة 23 نوعًا كانت موجودة تاريخيًا، بما يتيح استعادة الوظائف الكاملة للنظام البيئي والهرم الغذائي.
وقد جرى اختيار الأنواع الـ23 بناءً على بحث علمي دقيق، مع الاسترشاد بالتراث الثقافي المنتشر في أرجاء المحمية؛ إذ
تُظهر آلاف النقوش الصخرية المنحوتة في صخور الحجر الرملي الأنواع التي واجهها أجدادنا في هذه الأراضي. من بين الأنواع المختارة، ما انقرض محليًا أو عالميًا؛ وفي هذه الحالة، يُعتمد أقرب تطابق جيني متاح لضمان أداء الوظيفة البيئية نفسها.
في ديسمبر 2025، وبالشراكة مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية وجهات أخرى، أعادت المحمية توطين النعام أحمر الرقبة (Struthio camelus camelus)، المعروف أيضًا باسم نعام شمال إفريقيا وهو أقرب الأقارب الجينيين الباقين للنعامة العربية التي كانت تتجول في أنحاء شبه الجزيرة العربية ولكنها انقرضت في النصف الأول من القرن العشرين.
من ناحية أخرى، يوضح أندرو زالوميس، الرئيس التنفيذي لمحمية الأمير محمد بن سلمان الملكية: “أن عودة طيور النعام إلى مراعيها التاريخية تدعم استعادة النظم البيئية الصحراوية التي تشكّلت تاريخيًا بفعل الحيوانات الكبيرة التي ترعى النباتات. لا يمكن اعتبار النظم البيئية مستعادة بالكامل إلا عند إعادة الأنواع المفقودة، أو ما يعادلها بيئيًا. لذلك، نعتبر عودة النعام أحمر الرقبة خطوة بارزة نحو استعادة المحمية وإنشاء مجموعة تأسيسية لبرامج التربية والاستعادة الوطنية في المملكة العربية السعودية”.
وحتى اليوم، أعادت المحمية توطين 14 نوعًا من أصل 23، يتكاثر خمسة منها بنجاح. وفي عام 2024، أعادت المحمية توطين الحمار البري الفارسي، من خلال شراكة دولية مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعة، ليس داخل المحمية فحسب، بل على مستوى المملكة. وقد أُحضر كبديل للحمار البري السوري المنقرض، بهدف تمكين المجموعة التأسيسية من دعم عودته إلى المملكة والمنطقة.
التراث الثقافي
لا يقتصر الاكتشاف في المحمية على تراثها الطبيعي فقط. إذ توثِّق الأدلة الأثرية والتراثية المنتشرة في أرجائها تفاعلًا طويل الأمد بين الناس والبيئة في شمال غرب شبه الجزيرة العربية. وتواصل المحمية تحقيق اكتشافات جديدة تثري فهم هذا التاريخ المتجذر.
في هذا السياق، تُعدُّ آلاف النقوش الصخرية أقدم الشواهد على النشاط البشري في المحمية. فيما تعود الهياكل الحجرية إلى حوالي 8,000 قبل الميلاد. كما يحتضن وادي الديسة قبرًا مميزًا منحوتًا يعود إلى العصر النبطي. وبحكم موقعها معبرًا لطريق الحج المصري، تحولت المحمية إلى بوتقة تلاقٍ ثقافي، انطلق عبرها الحجاج من خلفيات عرقية مختلفة في رحلتهم.
وقد حظي هذا التراث المادي الغني باعتراف اليونسكو، كما ذكرنا سابقًا. إذ تضم المحمية موقعين ثقافيين متسلسلين مُدرجين على القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي هما: الهياكل الحجرية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في المملكة العربية السعودية، وطريق الحج المصري.
واليوم، تزخر المحمية بتراث ثقافي مادي وغير مادي حيّ. وتُعدُّ تربية الإبل وسباقاتها من أبرز ملامحه، وهي ممارسة جذبت المجتمعات المحلية لآلاف السنين. كما تحتفظ كل جماعة بتقاليدها الخاصة التي تتشابك لتشكل نسيجًا ثقافيًا غنيًا لمجتمعات تعيش في انسجام مع الصحراء وفصولها. ويتمثل دور المحمية في توثيق هذا التراث الثقافي وحمايته للأجيال القادمة.
انطلاقًا من ذلك، تتمثّل رؤية المحمية في أن تصبح محمية صحراوية ذات مكانة عالمية، حيث تلتقي العلوم والحفاظ على البيئة وصون التراث الثقافي لتشكّل مصدر إلهام للأجيال القادمة، ومختبرًا حيًّا لاستعادة العلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة.