- “شرعان” ترسم ملامح العلاقة المستقبلية بين الإنسان والصحراء
- الاستعادة البيئية: من إعادة الكائنات الفطرية إلى تفعيل أدوارهاالحيوية الغائبة
تبرز محمية شرعان في شمال غرب المملكة العربية السعودية، بوصفها نموذجًا معاصرًا لكيفية استعادة الطبيعة لتوازنها حين تُدار على أساس علمي طويل الأمد. فهذه المساحة الصحراوية، بتضاريسها الصخرية وأوديتها المفتوحة، ليست مجرد إطار جغرافي، بل أنظمة بيئية متكاملة بدأت ملامحها تتشكّل من جديد مع عودة كائنات كانت مهددة بالغياب.
تؤدي “شرعان” اليوم دور ملاذ آمن لمجموعة من الثدييات والطيور والزواحف والنباتات المحلية، التي ترتبط فيما بينها بعلاقات دقيقة تُعيد بناء التوازن الطبيعي للصحراء. فعودة المفترسات العليا تسهم في ضبط السلاسل الغذائية، فيما تؤدي العواشب، مثل الوعول والغزلان والمها العربية، دورًا محوريًا في تشكيل الغطاء النباتي، وتكمل الكائنات الأصغر هذه المنظومة بوظائفها البيئية غير المرئية.
وفوق هذا المشهد الأرضي، تمتد سماء شرعان المظلمة، التي حظيت باعتراف دولي لصفائها ونقائها، لتُضيف بُعدًا آخر للحماية البيئية؛ إذ يصبح الحفاظ على الليل جزءًا من الحفاظ على الحياة. في هذا السياق، لا يجب اعتبار محمية شرعان كمشروع حماية فحسب، بل تجربة علمية وثقافية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وتقدّم مثالًا على أن استعادة الأنواع والموائل ليست استجابة عاطفية، بل قرار معرفي تتراكم ثماره مع الزمن. والحديث عن “شرعان” هو حديث عن مكان يصعب اختزاله في صورة أو وصف؛ لأن العين وحدَها لا تكفي لالتقاط عمق التجربة، ولأن الصحراء هنا ليست فراغًا، بل أرشيفًا طبيعيًا يمتد ملايين السنين إلى العصر الأوردوفيشي الأوسط، حين كانت هذه الأرض مسرحًا لتحولات جيولوجية عميقة شكّلت طبيعتها المدهشة.

صحراء متعددة الوجوه
تندرج محمية شرعان في نطاق بيئي غني بالتباينات؛ فالتضاريس تتدرج من هضاب صخرية شاهقة إلى أودية موسمية تحتضن غطاءً نباتيًا متكيفًا مع الجفاف.
وهي تقع شمال شرق الحِجر وجبل الفيل، وتبعد نحو 45 دقيقة عن البلدة القديمة في العُلا. وتمتد على مساحة تقارب 1540 كيلومترًا مربعًا، ضمن منظومة من خمس محميات طبيعية تغطي مساحة حوالي 12500 كيلومتر مربع، وهي: شرعان، ووادي نخلة، والغراميل ، و حرة الزبن، وحرة عويرض . وفي هذا النطاق، تتجاور الكتل الصخرية العملاقة مع الكثبان الرملية الذهبية، وتتخلل الأودية الموسمية المشهد الصحراوي، لتصنع فسيفساء من الموائل الدقيقة التي منحت المنطقة ثراءاً أحيائياً نادرًا ما تحتويه البيئات الجافة.
هذا التنوُّع الطبيعي لم يكن مجرد خلفية جمالية، بل شكّل، عبر آلاف السنين، مسرحًا لتفاعل الإنسان مع الطبيعة. فالرموز والكتابات التاريخية، تعود إلى حوالي 3000 عام، وتُظهر صيادين يحملون الرماح ويمتطون الخيول والجمال. وهي تحكي قصة حياة متكاملة كانت الصحراء فيها موردًا لا عائقًا.
من الحماية إلى الاستعادة البيئية
في فبراير 2019، أُطلق مشروع محمية شرعان بوصفه أحد المشاريع الاستراتيجية التي تقوم بها الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، انطلاقًا من رؤية تتجاوز مفهوم الحماية التقليدية إلى الاستعادة البيئية النشطة. فالهدف لم يكن فقط وقف التدهور، بل إعادة بناء النظم البيئية واستعادة موائلها الطبيعية في الأودية والأخاديد وفوق الكثبان الرملية وبين الكتل الصخرية.
وشمل ذلك فرض حظر صارم على الصيد وقطع الأشجار، والقضاء على آثار الرعي الجائر، وإزالة الضغوط التي خلّفتها الماشية المحلية، إلى جانب برامج علمية لإعادة تأهيل الموائل وتنظيم التعايش المستدام بين الإنسان والطبيعة. وفي هذا الإطار، تعمل الهيئة الملكية بالشراكة مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، ومع مؤسسات دولية متخصصة، لوضع خطط طويلة الأمد تستند إلى أفضل الممارسات الدولية القائمة على استخدام أحدث تقنيات الرصد البيئي والتقييم المستمر.
الحياة الفطرية: شبكة متكاملة
نتيجة ذلك، أصبحت محمية شرعان اليوم ملاذًا آمنًا لطيف واسع من الكائنات الحية. ففيها نباتات صحراوية متكيفة، مثل: العرار والأكاسيا والنجيليات والأجمة، وتأوي ثدييات بارزة تشمل: المها العربي، وغزال الإدمي وغزال الريم، والوعل الجبلي، إضافة إلى الذئب العربي والثعلب الأحمر، والأرانب البرية المتكيفة مع البيئات الصخرية. كما تستضيف المحمية طيورًا مقيمة ومهاجرة، مثل: النعام، والقبرة المرقطة، والوروار الشرقي، ونسر روبل، إلى جانب أنواع عديدة من الزواحف واللافقاريات.
هذا التنوُّع لا يُنظر إليه بوصفه قائمة أنواع، بل شبكة متكاملة من العلاقات البيئية. فكل كائن، مهما بدا صغيرًا، يؤدي وظيفة في استقرار التربة ودورة المغذيات وتنظيم الغطاء النباتي، وهو ما يفسّر اهتمام إدارة المحمية بالإصحاح البيئي للمنظومة البيئية بشكل متكامل وليس فقط التركيز على الأنواع الأساسية.
أهم كائنات المحمية
النباتات: العرار، الأكاسيا، النجيلية، الأجمة.
الثدييات: المها العربي، ظبياء الريم والأدمي، الوعل الجبلي، الأرنب البري ذو الأطراف النحيلة، أرنب الصخور، الذئب العربي، الثعلب الأحمر.
الطيور: النعام، القبرة المرقطة، الوروار الشرقي (آكل النحل)، نسر روبل.
الزواحف واللافقاريات: أنواع مختلفة.
محمية شرعان نموذج معاصر لكيفية استعادة الطبيعة لتوازنها حين تُدار على أساس علمي طويل الأمد.

صندوق النمر العربي: استعادة رمز
تأسس صندوق النمر العربي بموجب مرسوم ملكي في عام 2020م.
يهدف الصندوق إلى صون النمر العربي وحمايته من الانقراض، ودعم الجهود المحلية والدولية، وحث المجتمعات على المشاركة في حماية أحد أكثر الأنظمة البيئية المهددة بالانقراض، بما يتماشى مع رؤية المملكة العربية السعودية للاستدامة البيئية.
تركز مجالات عمل الصندوق على دعم صون النمر العربي في مختلف نطاق انتشاره، وبناء القدرات، والتوعية وكسب التأييد.
وقد شملت جهوده إطلاق وحدة الاستجابة السريعة (العيادة المتنقلة) في سلطنة عُمان لدعم جهود الحماية الميدانية، وتقديم منح بحثية ومبادرات علمية، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية وتعليمية وتأهيل كوادر متخصصة في مجال صون الحياة الفطرية وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي. كما ساهمت حملات الصندوق في توسيع نطاق الوصول الإعلامي عالميًا، بما عزز حضور رسالة صون النمر العربي على المستوى الدولي.
السماء المظلمة
حظيت محمية شرعان ووادي نخلة باعتماد الجمعية الدولية للسماء المظلمة، لتنضم إلى أكثر من 250 موقعًا محميًا من التلوث الضوئي حول العالم، ويمثل ذلك امتدادًا لاعتماد عام 2024م الذي شمل موقع منارة العلا ومحمية الغراميل وتكون بذلك من أوائل المواقع المحمية من نوعها على مستوى المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي. ويعكس هذا الاعتماد التزامًا واضحًا بحماية السماء الليلية في العُلا بوصفها جزءًا لا يتجزأ من المنظومة البيئية، وتعزيز جهود الحد من التلوث الضوئي على النطاق الجغرافي للمحمية.
وقد فتح هذا الاعتراف العالمي مرحلة جديدة تتكامل فيها حماية البيئة مع البحث العلمي، وصون التراث الثقافي؛ إذ أصبح الحفاظ على السماء المظلمة جزءًا من أهداف الهيئة الملكية لمحافظة العُلا. فلا يقتصر الأمر على نقاء المشهد الليلي، بل يمتد إلى دعم الحياة الفطرية، وتعزيز التجارب المعرفية المرتبطة بعلم الفلك؛ إذ تتيح سماء شرعان الصافية رصد النجوم والكواكب والمجرات بالعين المجردة، أو عبر أدوات الرصد المتقدمة، بعيدًا عن وهج الإضاءة الصناعية.
ولم يكن هذا الاعتماد مجرد شهادة رمزية، بل جسَّد التزامًا بحماية البيئة الفريدة، والمحافظة على نقاء سمائها، والتقيّد بمعايير صارمة، تشمل التحكُّم في مستويات الإنارة، ونشر الوعي بأهمية الليل بوصفه موردًا طبيعيًا. وفي موازاة ذلك، أُتيحت أنشطة سياحية وعلمية لعشاق الطبيعة والفلك، ضمن نهج متوازن من خلال ضمان بقاء %50 من أراضي المحمية وجهةً مستدامةً للأجيال القادمة.
بناء القدرات لحماية التنوُّع الأحيائي
تُطبق محمية شرعان تقنيات مختلفة لاستعادة الموائل الطبيعية، ودعم تعافي النباتات والحيوانات المحلية، بما ينسجم مع التزامها بالحفاظ على التنوُّع الأحيائي والتنمية المستدامة. وتشمل هذه الجهود تقييم الأنواع الأصلية وموائلها، والعمل على إعادة التأهيل والترميم والمراقبة المستدامة، بمشاركة الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، بهدف استعادة توازن النظام البيئي، وتهيئة بيئة مزدهرة للحياة البرية وداعمة للسياحة البيئية والفلكية.
ويسهم المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في إعادة توطين الأنواع الفطرية المهددة بالانقراض بالتعاون مع الهيئة الملكية لمحافظة العلا. ويشمل ذلك إطلاق كائنات (مثل الوعول، والظباء، والحجل الشائع،وغيرها.)بهدف إثراء التنوع الأحيائي في المحمية، واستعادة التوازن البيئي، وتعزيز الاستدامة.
وفي هذا السياق، تعمل الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، بمشاركة الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، على تدريب وتأهيل الفرق العاملة وفق برامج مكثفة ذات تأهيل عالٍ، على يد خبراء دوليين. وتسهم هذه الفرق في مراقبة المناطق المحمية وتنفيذ برامج الرصد ومكافحة الصيد غير المشروع، والمشاركة في نشر الوعي البيئي، وإشراك المجتمع المحلي بوصفه شريكًا في حماية محمية شرعان الطبيعية.
وجهة لعشاق الطبيعة
تُعدُّ محمية شرعان وجهة جاذبة لعشاق الطبيعة والمغامرة؛ فهي تتيح لزوارها فرصًا لاستكشاف التكوينات الصخرية المذهلة، وخوض رحلات السفاري، والمشي الجبلي. وتمنح تضاريسها المذهلة، وصخورها الحمراء، ووديانها المنحدرة، وأخاديدها الواسعة، ومناطقها الصحراوية ذات الهضاب الصخرية المتناثرة فوق الرمال، تجربةً تفاعلية مباشرة مع الطبيعة، تكشف جمال العُلا وتفردها البيئي.
منتجع شرعان والسياحة المستدامة
يُجسّد منتجع شرعان نموذجًا للسياحة المستدامة الفاخرة؛ حيث سيتم نحته في الجبال بأسلوب مستوحى من العمارة النبطية، ليضم أجنحة وفللًا ومرافق ضيافة متكاملة. وقد صُمّم المنتجع ليكون جزءًا من البيئة الطبيعية، ومساهمًا في تعزيز السياحة المستدامة وحماية التراث الطبيعي والثقافي، ضمن رؤية المملكة 2030، وترسيخ مكانة العُلا وجهةً سياحية عالمية مميزة.