عبدالله الطلاسات
مدير عام الإدارة العامة للمناطق المحمية
المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية
تُعدُّ المحميات الطبيعية في المملكة العربية السعودية ركيزةً أساسية في جهود الحفاظ على البيئة والتنوع الأحيائي، ولا سيَّما في ظل التحديات البيئية المتسارعة، مثل التصحر وفقدان الموائل الطبيعية. وقد تبنت المملكة خلال السنوات الأخيرة نهجًا متكاملًا يجمع بين التخطيط العلمي الحديث والإرث البيئي العريق، بما يتوافق مع مستهدفات “رؤية السعودية 2030” والتزاماتها الدولية في مجال حماية الطبيعة.
شهدت منظومة المناطق المحمية في المملكة تطورًا ملحوظًا تقوده جهات وطنية، في مقدمتها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، بالتكامل مع الجهات الأخرى المعنية بإدارة المحميات. وتهدف هذه المنظومة إلى حماية النظم البيئية المختلفة، وصون الأنواع المهددة بالانقراض، وإعادة تأهيل الموائل الطبيعية، إضافةً إلى تعزيز السياحة البيئية بوصفها أحد روافد الاقتصاد المستدام. كما تسعى المملكة إلى تحقيق مستهدف طموح يتمثَّل في حماية %30 من مساحتها البرية والبحرية، بما يتوافق مع إطار اتفاقية التنوع الأحيائي.
تتنوع المحميات الطبيعية في المملكة من حيث خصائصها البيئية؛ إذ تشمل محميات برية في البيئات الصحراوية والجبلية، وأخرى بحرية وساحلية ذات أهمية بيئية عالية. كما تشمل عدة فئات، وهي: الأماكن المقدسة والأحماء التاريخية، والمناطق المحمية التابعة للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والمحميات الملكية،
والمحميات التابعة للهيئات الملكية (مثل: الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، الهيئة الملكية للجبيل وينبع، الهيئة الملكية لتطوير مدينة الرياض)، والمواقع التابعة للمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، والمناطق المحمية ومناطق إجراءات المحافظة الفعالة الأخرى المعلنة ضمن المشاريع الكبرى. وقد أصبحت هذه المحميات تُدار وفق أفضل الممارسات العالمية، من خلال خطط إدارة علمية، وبرامج رصد بيئي متقدمة، وأنظمة حماية وإنفاذ فعالة تضمن استدامة الموارد الطبيعية على المدى الطويل.
وفي سياق موازٍ، تُعدُّ الأحماء التقليدية أحد أبرز ملامح الإرث البيئي في الجزيرة العربية؛ إذ كانت تُستخدم تاريخيًا لتنظيم استغلال الموارد الطبيعية، وبخاصة المراعي، من خلال تخصيص مناطق محددة تُحمى من الاستخدام الجائر. وقد قام هذا النظام على مبادئ الاستدامة، والعدالة في توزيع الموارد، والرقابة المجتمعية، وهو ما جعله نموذجًا فعَّالًا للحفاظ على البيئة عبر قرون طويلة.
ومع تطور المفاهيم البيئية الحديثة، لم يختفِ مفهوم الحمى، بل أُعيد توظيفه ضمن إطار معاصر يتكامل مع منظومة المناطق المحمية. فقد دُمج هذا المفهوم ضمن ممارسات الإدارة التشاركية التي تشرك المجتمعات المحلية في حماية الموارد، وهو ما يُعدُّ عنصرًا أساسيًّا في نجاح المحميات الحديثة.

يُمثّل النموذج السعودي في المناطق المحمية اليوم مثالًا متقدمًا وفق المنهج الحديث في تحقيق العديد من المكاسب الإستراتيجية، وتحقيق التوازن بين الأصالة والحداثة، ومن أبرزها تعزيز فعالية الحماية من خلال الجمع بين الرقابة الرسمية والمجتمعية وفقًا لأطر مؤسسية وتنظيمية وتشريعية، وتوسيع نطاق الحفظ البيئي بمرونة أكبر، إضافةً إلى رفع مستوى الوعي البيئي لدى المجتمع من خلال ربط الحماية بالهوية الثقافية. كما أسهم هذا النموذج في دعم التنمية المستدامة عبر تشجيع السياحة البيئية، وخلق فرص اقتصادية محلية قائمة على الاستخدام الرشيد للموارد؛ وهو ما يدعم تحقيق الأهداف الوطنية والدولية في مجال حماية البيئة. ويُعدُّ هذا النهج ذا أهمية خاصة في البيئات الجافة وشبه الجافة، التي تتطلب حلولًا مرنة ومستدامة تأخذ في الاعتبار الخصوصية البيئية والاجتماعية.
وفي الختام، فإن المحميات الطبيعية في المملكة العربية السعودية تشكّل منظومةً متكاملة تُسهم في حماية التنوع الأحيائي وتحقيق الاستدامة البيئية. ومن خلال هذا التكامل، تواصل المملكة ترسيخ مكانتها كدولة رائدة في مجال الحفاظ على البيئة، مقدمة نموذجًا يُحتذى به في دمج التراث البيئي مع الابتكار المؤسسي لمواجهة تحديات المستقبل.