[issue-single-data]

الحمــى والمحميـات الطبيعية

الحمــى والمحميـات الطبيعية

أ‌.د. عوض بن متيريك الجهني
أستاذ علم البيئة والتنوع الأحيائي – عضو مجلس إدارة المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية

خلق الله هذا الكون وجعل فيه كل مقومات الحياة المادية بمقادير موزونة تكفل استمرار الحياة على هذا الكوكب، وخلق الإنسان وسخَّر له كل تلك المقومات لأداء رسالته في هذه الحياة، وليقوم بعمارة الأرض ويستثمرها وينتفع بمكوناتها ويديرها بما يعود عليه بالمنفعة دون إضرار بمكوناتها أو إفساد لها، مع المحافظة على توازن عناصرها كما قدَّره الله – سبحانه وتعالى: “وأنبتنا فيها من كل شيء موزون” سورة (الحجر: آية 19).
كان الانسجام والتوازن سائدَين بين الإنسان والبيئة التي استوطنها، حيث وفَّرت له كل متطلباته الأساسية من الغذاء والماء والمأوى، وأخذ منها احتياجاته البسيطة والمحدودة دون إسراف أو تبذير. وقد استمر هذا التعامل مع مكونات البيئة خلال المراحل الأولى لحياة الإنسان على الأرض التي بدأت بمرحلة الالتقاط والجمع والصيد، واستمرت كذلك خلال فترة الثورة الزراعية التي بدأت منذ عشرة آلاف سنة قبل الوقت الحاضر تقريبًا. وقد أسهم تدني أعداد البشر وقلة احتياجاتهم المعيشية وبدائية وسائل الإنتاج في تقليل الأثر على الموارد الطبيعية الوفيرة في تلك الحقبة.
تطورت المجتمعات البشرية مع توسع مرحلة الزراعة بشكلٍ متسارعٍ، وبدأ البشر في الاستيطان والتجمع في مجموعاتٍ صغيرةٍ، ما لبثت أن كبرت واتسعت لتكون القرى والمجتمعات الزراعية. ويعتقد كثير من الباحثين أن ذلك تزامن مع التغيرات المناخية وبداية فترة الجفاف التي حدثت بعد تراجع الزحف الجليدي الأخير، وانخفاض كمية الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وقد أدى ذلك إلى التجمع في المستوطنات البشرية حول الأماكن التي تتوفر فيها المياه، مثل ضفاف الأنهار والواحات والعيون.
إن تطور المجتمعات البشرية وزيادة أعداد البشر، بالإضافة إلى التغيرات المناخية التي ظهرت آثارها مع تقدم الزمن، أدت إلى ظهور الاهتمام بالبيئة والكائنات الحية والعمل على حمايتها وتقليل فقدان تنوعها. وقد بدأ هذا الاهتمام على بصورٍ متعددة تطوَّرت وتنوَّعت بمرور الوقت، بناءً على المعتقدات والثقافات السائدة في تلك المجتمعات البدائية.

الحماية عند الشعوب القديمة
منذ آلاف السنين، نشأت علاقة فريدة بين سكان أستراليا الأصليين (Aborigines) والأرض، وكانت نموذجًا متميزًا؛ حيث يعتبرون الأرض كائنًا حيًّا له روحٌ وتاريخٌ، وكل جزء منها له قصةٌ. وإن حماية هذه المكونات واجب ديني أخلاقي، وإن العلاقة بين الإنسان والأرض تقوم على الاحترام وعدم التعدي على مكوناتها. وبناءً على ذلك، قُسّمت الأرض إلى مناطق مقدَّسة يجب حمايتها مطلقًا، ومناطق محظورة الاستخدام إلا في أوقاتٍ معينةٍ، ومناطق مقيدة الاستخدام بشروط ومناطق صيد موسمية، ومناطق مفتوحة الاستعمال طول العام. كما ظهرت عند الشعوب الأخرى وسائل حماية تقليدية مشابهة لحماية مكونات البيئة، ومن تلك الوسائل:

  1. الغابات والمناطق المقدّسة:
    مارست كثير من شعوب شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا، وأوروبا ومناطق غرب إفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وسائل حماية تقليدية لأجزاء من الغابات والأحراج والسفانا وجعلتها مقدّسةً يُمنع فيها قطعُ الأشجار والرعي والصيد، ويقوم على رعايتها الكهنة والرؤساء المحليون، وتحكمها أعراف وتقاليد متوارثة، وتفرض على المخالفين عقوبات دينية واجتماعية صارمة
  2. مناطق المراعي المجتمعية:
    تحدّد كثير من القبائل والمجتمعات البدائية، ولا سيَّما في مناطق السفانا والمناطق شبه الجافة، مثل قبائل الماساي في كينيا وتنزانيا، والقبائل الجبلية في إثيوبيا، وكذلك في جنوب شرق آسيا مثل تايلند وإندونيسيا وفيتنام، مناطق رعوية يُمنع فيها الرعي في أوقات الجفاف، ويقرّر رؤساء المجالس المحلية وشيوخ القبائل أوقات السماح بالرعي وأوقات المنع، كما أنهم يفرضون العقوبات على المخالفين لنظام الرعي من خلال مجالس المجتمع المحلي.
  3. المراعي المتنقلة:
    منذ زمنٍ طويلٍ تمارس قبائل القرن الإفريقي نظامًا آخر من الحماية للمراعي التي تقوم عليها حياة السكان. ويقوم هذا النظام على التنقل الموسمي بين المراعي حسب هطول الأمطار، بحيث تُحمى مواقع معينة للحصول على مخزون من النباتات الرعوية، ويُنظم رعيها في أوقات الجفاف وندرة الأمطار. وتقوم على تنظيمها مجالس محليَّة يختارها السكان
  4. غابات الطعام:
    تقوم بعض القبائل في غرب إفريقيا بحماية أجزاء من الغابة، كمناطق استغلال خاصٍ بها، كما تمارس القبائل في الأرجنتين وتشيلي حماية بعض أشجار الغابة بوصفها موردًا غذائيًا لها، وتمنع قطع الأشجار والصيد في تلك المناطق. كما أن مجتمعات شمال البرازيل وكولومبيا تُزاوجُ بين المحافظة على أشجار الغابات وزراعة المحاصيل الغذائية وسط أشجار الغابة كموردٍ غذائي مستدام، دون التأثير على تنوع أشجار الغابة.
    الحماية في الجزيرة العربية
    بدَّل العرب في الجاهلية دينهم بعد إبراهيم – عليه السلام – فاتخذوا الأوثان والأصنام يعبدونها من دون الله. وكان لكل حيٍّ من أحياء العرب صنم يقدّسونه ويتقرّبون به إلى الله ويحجّون إليه. وقد ذكر القرآن الكريم (ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا). وكانت اللات والعزى من أشهرها عند قريش، وقد حمت قريش وادي نخلة على الطريق إلى الطائف تعظيمًا للعزى؛ كما كان لأصنام أخرى، مثل “ذو الخلصة” في سراة الأزد، و”مناة” في المشلل بقديد، أحماءٌ حولها لا تنتهك، وهذا شبيه بالمناطق المقدّسة عند شعوب شبه القارة الهندية وإفريقيا والغابات المقدّسة عند الشعوب الأوروبية القديمة وكان ملوك الحيرة وكندة يتخذون أحماءً لهم دون سائر الناس ترعى فيها خيلهم ومواشيهم. وكان سادة القبائل وشيوخها يحمون لأنفسهم ما يريدون من المراعي؛ حيث يعمد الشيخ أو السيد إلى مرتفع ويستعوي كلبه، فيحمي ما وصل إليه صوتُ الكلب ويكون خالصًا له دون غيره، وترعى أنعامه مع سائر أنعام القبيلة. ومن أشهر أحماء العرب في الجاهلية: حمى كليب، وحمى ضرية، وحمى النير، وحمى فيد على الطريق بين الكوفة ومكة. كانت تلك الأحماء ذات منفعة شخصية وتحرم سائر الناس من الانتفاع بموارد الأرض الشحيحة، وكانت مصدر معاناة وحروب، كما حصل في حرب البسوس التي نشبت بسبب دخول ناقة في حمى كليب، والتي يُقال إنها استمرت أربعين سنة وقُتل بسببها كثيرٌ من الخلق

أُنشئت أولُ محمية طبيعية في العالم في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية.

الحمى

الحمى كلمة عربية تعني: المنع، ويُقال: “حميتُ المكان”، أي دفعت عنه وحميته من التعدي والاستغلال. وقد عرَّف الليث في “لسان العرب” الحمى بأنه: “موضع فيه كلأ يُحمى من الناس أن يُرعى”، ويُجمع الحمى على أحمية وأحماء، ويُسمَّى المكان حِمًى ومحميةً.

إن المتأمل في أصل كلمة الحمى وما تدل عليه من معنى الحماية للنبات والحيوان، وتطور استخدام هذه اللفظة، بدءًا من المواقع التي حماها الناس منذ عصور الجاهلية، مثل الملوك ورؤساء القبائل والأفراد الذي كانوا يحمون المراعي خاصة لهم دون الناس، وصولًا إلى التغيُّر الجذري الذي أحدثه الإسلام في مفهوم الحمى بجعله للمنافع العامة دون تضييق أو منع أحد من الاستفادة منه، يشير إلى أسبقية الوعي والإدراك العميق لسكان الجزيرة العربية بأهمية الحماية والمحافظة على الموارد الطبيعية لاستمرار حياتهم في بيئة شحيحة الموارد وقليلة الإنتاجية.
عند ظهور الإسلام في بداية القرن السابع الميلادي (622م)، بدأ هذا النمط الجديد من الحماية بمفهوم لم يسبق له مثيل؛ فقد ورد في كثير من المصادر التاريخية وكُتب الصحاح أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حمى النقيع عند رجوعه من غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة من الهجرة (627م). والنقيع هو أعلى وادي العقيق الذي يبعد عن المدينة المنورة حوالي 100 كم جنوبًا، وفيه تجتمع المياه من جبال القدس غربًا، ومن حرة سليم شرقًا، ويكوّن روضة كثيرة الشجر والمرعى.

وفي خلافة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – انتشر الإسلام ودخلت بلدانٌ كثيرة في الدولة الإسلامية الحديثة، وزاد على إثر ذلك الخراج وإبل الصدقة، فأصبحت الحاجة ماسة لرعايتها والعناية بها، فحمى الخليفة عمر بن الخطاب “الربذة” لهذا الغرض في السنة السادسة عشرة من الهجرة (638م)، واستعمل عليه مولاه “هنيًّا” وأوصاه بإدخال صاحب الغنم القليلة، وأن يمنع صاحب الغنم الكثيرة ومَن له مالٌ أو زرعٌ يعود إليه إذا هلكت ماشيته. كما حمى الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – “ضرية” لاستيعاب الزيادة الكبيرة من إبل الصدقة والخراج التي كانت ترد من الأقطار الجديدة التي فُتحت في خلافته.

الأسس التنظيمية للحمى
تغيَّرت مفاهيم “الحمى” تغيرًا جذريًا عند انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، حيث أصبحت المصلحة العامة والنفع العام هي الأساس للحماية كما وُضِعت أسسٌ وأحكامٌ واضحة تكفل تنظيم هذه الممارسة الهامة لحماية الموارد الطبيعية واستدامتها. وقد أسَّس أمرُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بإنشاء “حمى النقيع” وتكليف بلال بن الحارث عاملًا عليه وأمره بحفظه وعدم التعدي عليه، وكذلك إنشاء الخلفاء الراشدين من بعده أحماءً لرعاية مصالح المجتمع وتوسيعها حسب الحاجة والقيام على رعايتها واستمرارها، البنيةَ التنظيمية والتشريعية التي تكفل مشروعية إقامتها وأهدافها ونظم استغلالها. ومن ذلك:

  1. أن يُنشأ الحمى للنفع والمصالح العامة.
  2. يقرّر إنشاء الحمى وليُّ الأمر أو الحاكم بحسب مقتضيات الحاجة.
  3. لا يكون الحمى خاصًا، وإنما يُحمى لعموم المجتمع.
  4. لا يُمنع منه الفقراء والضعفاء وأصحاب الحاجة.
  5. يُحمى من الأرض (أو البحر) ما يرى الحاكم فيه منفعة للأمة، ولا يضيق على الناس.
  6. يُوسّع الحمى بحسب حاجة مصالح الناس وتحقيق منافعهم.
  7. يقرّر الحاكمُ النظم والتشريعات التي تكفل استمرار الحمى واستدامته.
  8. يُعيّن الحاكمُ من يتولّى إدارة الحمى ويحميه من التعديات والاستخدامات التي يمكن أن تعرضه للأضرار.
    إن هذه الأسس التنظيمية العامة التي أقرها الإسلام لإقامة الحمى في بداية القرن السابع الميلادي، هي أساس النظم التي بُني عليها إنشاء المحميات الطبيعية اليوم، والتي بدأت بعد أكثر من اثني عشر قرنًا من إنشاء أول حمى في الجزيرة العربية.

وخلال فترة الدولة الأموية بقيت الأحماء على حالتها السابقة، ولم يُحدث الأمويون أحماءً جديدة وإنما اكتفوا بتوسيع الأحماء السابقة التي حُميت في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – والخلفاء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان – رضي الله عنهما. كما استمر هذا النهج في استغلال الأحماء في الجزيرة العربية خلال معظم فترة الدولة العباسية وما تلاها من الدول والإمارات؛ إذ كان ينشط استغلالها وحمايتها تبعًا للحاجة إليها واهتمام الولاة والأمراء في تلك المناطق، وتُهمل في أوقات الحروب بين القبائل، أو بسبب إهمال الولاة والحكّام لأمر حمايتها والاستفادة منها.

المحميات الطبيعية
أُنشئت أولُ محمية طبيعية في العالم في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أُعلن في مارس 1872م عن إنشاء متنزه يلوستون الوطني بمساحة قدرها حوالي 9 آلاف كيلومتر مربع. ويضم المتنزه العديد من التكوينات الطبيعية والأنهار والبحيرات والعيون الحارة، كما تعيش فيه أنواع عديدة من الحيوانات والنباتات مكونةً غابات شاسعة. ثم توالى إنشاء المحميات والمتنزهات الوطنية في مناطق أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي بداية القرن العشرين، انتقل الاهتمام بإنشاء المحميات من أمريكا الشمالية إلى آسيا وأوروبا، حيث أُنشئت حديقة كارول في بخارست في عام 1906م، وحديقة غران في إيطاليا في عام 1922م. كما بدأ إنشاء المحميات في قارة إفريقيا في عام 1922م بإعلان محمية سيلوس في تنزانيا، ومتنزه كروجر الوطني في دولة جنوب إفريقيا في عام 1926م. وكانت محمية الدندر القومية في السودان أول محمية أُنشئت في الوطن العربي في عام 1935م، ثم تلتها محميات أفران والحسيمة وتازكه في المغرب عام 1942م، وأُعلنت محمية الشومري بالأردن عام 1975م، وأُعلنت محميتا الحرة والخنقة في المملكة العربية السعودية عام 1987م. ثم أُعلنت المحميات الملكية عام 2018م، وتبلغ مساحة المحميات الأرضية في المملكة الآن اكثر من 18 من مساحة المملكة.
لقد أسهم إنشاء المحميات الطبيعية على مستوى العالم في استعادة وتأهيل كثير من الموائل البيئية وإنقاذ أعداد كبيرة من الأنواع من حافة الانقراض؛ كما أعاد لمواطن أرضية ومائية طبيعتها المنتجة، وأنقذ مساحات شاسعة من الغابات والأراضي الحرجية من التدهور والفناء، غير أن ذلك لم يُوقف التعديات والصيد والاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية.
التوجهات الحديثة في الحماية
منذ إنشاء المحميات الطبيعية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، دأبت الحكومات والهيئات على وضع وتطوير الأطر القانونية لإنشائها ونظم إدارتها، وتوفير الدعم للباحثين والموظفين والحراس، بما يضمن الحماية من الاستغلال المفرط والصيد، وتقليل التعديات على الكائنات الحية. وقد تزامن مع حماس المحافظين على البيئة، وتزايد انقراض عدد كبير من الأنواع في كل عام، الرغبةُ في زيادة مساحات المحميات الطبيعية لتشمل أجزاءً كبيرة من الأراضي. كما عمدت بعض الحكومات والهيئات المعنية بإنشاء المحميات إلى إخراج السكان الأصليين منها؛ رغبةً في تقليل الأثر وحماية الموارد الطبيعية فيها.

لكن تجارب كثير من الدول أثبتت خطأ ذلك التصرف الذي حرم بعض السكان من مورد رزقهم ومعاشهم أولًا، وحرم البيئة من معرفة وتجارب السكان بالحماية؛ إذ إن أفضل من يحمي الأرض ومواردها الطبيعية هم السكان الأصليون الذين عاشوا طوال حياتهم عليها وعرفوا خصائصها وتعلموا كيف يحافظون عليها لاستمرار بقائهم.
إن لجوء الحكومات إلى وضع الأنظمة والقوانين الصارمة، وتكليف الجوالين والحراس بالحماية، وبناء الأسوار حول المحميات ونقاط المراقبة، لم يُجدِ نفعًا في إبعاد الصيادين وجامعي المنتجات الطبيعية وأجزاء الحيوانات في كثير من المحميات، بل إن بعض تلك المحميات سجَّلت معدلات تخريب وانتهاكات عالية لم تُبرر حجم الأموال التي صُرِفت لحمايتها.
أدت تلك الشواهد إلى تحوُّلٍ كبيرٍ في توجّهات دول عديدة نحو اعتماد المعارف التقليدية للحماية والاعتراف بها، والعمل على بناء نظم إدارية بيئية قائمة على مشاركة السكان المحليين وتوظيف معارفهم في إدارة المحميات الطبيعية أو أجزاء منها. وقد تمَّ اعتماد هذا النموذج من المشاركة في إثيوبيا، والهند، ونيوزيلندا، وكندا، ومواقع عديدة في البرازيل، كما وصلت المحميات التي يقوم على إدارتها السكان الأصليون في أستراليا إلى حوالي %50 من إجمالي محمياتها الطبيعية.

لقد أثبتت كثير من الأدبيات العلمية المختلفة وتقارير اليونسكو والاتحاد العالمي لصون الطبيعة (IUCN)، أن نماذج نظم الإدارة التقليدية التي يقوم بها السكان المحليون في إثيوبيا، مثل نظام «كيرو» لحماية المراعي الجبلية، وأراضي غابات الأمازون في البرازيل، ومناطق الغابات المقدّسة في الهند وقبائل الماوري في نيوزيلندا، والسكان الأصليين في أستراليا الذين يطبقون نظم حماية الأرض منذ آلاف السنين، والحماية التي تقوم بها شعوب كندا الأصلية؛ كل هذه النماذج أثبتت جدواها وفعاليتها وبرهنت أن بقاء السكان الأصليين في المحميات لا يشكّل تهديدًا لها، بل هم حرَّاس موثوقون ومتفانون في خدمة مواطنهم وحماية مواردها الطبيعية.
الحمى تراث من ثقافتنا
تشكّل الأحماء التاريخية، مثل حمى النقيع والربذة وضرية وفيد، إرثًا تاريخيًا متفردًا لثقافة سكان الجزيرة العربية في حماية أجزاء من الأرض ومكوناتها الطبيعية؛ إذ بدأ مفهوم الحمى في الجزيرة العربية منذ قرونٍ عديدةٍ، وظهر ذلك في ممارسات القبائل والأفراد ذوي النفوذ أولًا. وعندما ظهر الإسلام، طوّر مفهوم الحماية من

خلال إرساء مفهوم الحمى للصالح العام في بداية القرن السابع الميلادي، حيث حمى الإسلام أجزاءً من الأرض للمصلحة العامة والحفاظ على الكائنات الحية، ثم تطوَّر مفهوم الحمى خلال العصور المتأخرة وشمل حماية المراعي والأشجار والنباتات الزهرية لإنتاج العسل؛ لتحقيق الاستفادة منها للمصلحة العامة للسكان.
وبناءً على ذلك، فإن إعلان الأحماء القديمة في الجزيرة العربية يُظهر للعالم اهتمام سكان الجزيرة العربية بالأرض ومكوناتها والمحافظة عليها وعمارتها للأجيال القادمة، كما أن هذا الإعلان يؤكد الآتي:

  • التعريف بالإرث التاريخي لمفهوم حماية الكائنات الحية وأراضي المراعي، الذي بدأ خلال السنوات الأولى من انتشار الإسلام في الجزيرة العربية.
  • إبراز أن الحمى (المحميات) قد بدأ في الجزيرة العربية في بداية القرن السابع الميلادي (627م)، في حين أُعلِن عن أول محمية طبيعية بعد أكثر من أحد عشر قرنًا في عام 1872م في شمال غرب أمريكا.
  • إبراز أسبقية الثقافة العربية الإسلامية في العناية بالكائنات الحية والاهتمام بها وحمايتها للمصلحة العامة.
  • إبراز دور مجتمعات الجزيرة العربية على مرِّ التاريخ في المحافظة على الكائنات الحية والموارد الطبيعية، وأن حماية الحياة الفطرية تُعدّ من اهتمام سكان الجزيرة العربية منذ القدم وحتى الآن.
    إحياء تراث الحمى
    إن امتلاك سكان الجزيرة العربية إرثًا غنيًّا من المعارف التقليدية المتوارثة وفهمًا لطبيعة الأقاليم الصحراوية شحيحة الموارد، ومعرفتهم بالأنواء وأوقات سقوط الأمطار وأنواع النبات والحيوان، أدى كل ذلك إلى إنشاء الحمى الذي انتشر في أرجاء الجزيرة العربية وتطور على مدى القرون الماضية؛ ليصبح مثالًا على قدرة أبناء المنطقة على ابتكار نموذجٍ فريدٍ لحماية الموارد الطبيعية المحدودة، ومشاركة السكان في بناء هذا النظام وإدارته لصالح المجتمع.

إن هذا النموذج الفريد الذي وُضِعت أسسه التنظيمية الأساسية منذ مئات السنين، والمبني على المصلحة العامة والمتطلبات المجتمعية وتوفير الاحتياجات الأساسية لها وإشراك السكان في إدارته، لهو جديرٌ بأن يُعترف به نظامًا نابعًا من ثقافة وتاريخ هذه الأمة، وأن تُوضع له الأطر النظامية والمؤسسية والآليات الإدارية والمجالس المحلية التي تنظّم أعماله وتوفّر له المتطلبات التي يحتاج إليها للقيام بمهامه في حماية البيئة والكائنات الحية في ظل إشراف مؤسسات الدولة ودعمها.
لقد أثبتت الأحماء، منذ نشأتها في العصور الإسلامية الأولى إلى الوقت القريب، أهميتها ودورها في المحافظة على النباتات الرعوية والأشجار المعمّرة والكائنات الحية الأخرى، وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان ومواشيهم. كما ثبت أن السكان استطاعوا إدارة هذه الأحماء من خلال نُظم وأعراف اتفقوا عليها فيما بينهم وتوارثوها حتى وقتٍ قريبٍ.
لقد حان الوقت لإحياء هذا الموروث التاريخي وإعادته على أسس علمية حديثة تستفيد من المعارف والخبرات التقليدية المتوارثة، وتستثمر خدمات السكان المحليين في رعاية وحماية أراضيهم؛ ليكون نموذجًا رائدًا مستوحى من تراث الحمى الذي كان لنا السبق في تقديمه للعالم لحماية البيئة ومكوناتها الطبيعية.

الأحماء إرث تاريخي متفرد يعكس وعي سكان الجزيرة العربية بأهمية حماية الأرض ومواردها الطبيعية.

Facebook
X
LinkedIn
WhatsApp

مقالات ذات صلة :

ابحث عن مقـــــال داخـــل الأعداد